العراق عند مفترق الطرق: هل يمكن للترابط الإقليمي أن يحل محل التنافس الجيوسياسي؟
د.كامران يكانكي
بقلم — كاتب CROSS LINES
يتناول هذا المقال الكيفية التي يمكن للعراق من خلالها تحويل موقعه الجغرافي الاستراتيجي من مصدر للهشاشة الجيوسياسية إلى أداة للترابط الإقليمي. ويجادل بأن مشروع «طريق التنمية» وشبكات البنية التحتية الأوسع في العراق يمكن أن تعزز قدرته على الفعل الاستراتيجي، شريطة إدارتها ضمن إطار شامل يربط إيران وتركيا ودول الخليج وبلاد الشام.
لطالما كانت الجغرافيا بالنسبة إلى العراق فرصةً وقدراً في آن واحد. فالبلاد تقع عند نقطة التقاء إيران وتركيا والخليج وبلاد الشام. غير أن هذا الموقع، الذي كان يمكن أن يجعل العراق مركزاً للتجارة والعبور والتكامل، حوّله في كثير من الأحيان إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية وتتصادم.
اليوم، يقف العراق أمام إمكانية مختلفة: أن يتحول من ساحة لتنافس القوى إلى عقدة تربط بينها. فمشروع طريق التنمية، وميناء الفاو الكبير، وشبكات الطاقة، والسكك الحديدية، والممرات الرقمية، يمكن أن تحوّل الجغرافيا العراقية من نقطة ضعف جيوسياسية إلى أصل جيو-اقتصادي. غير أن استدامة هذا التحول ستظل مشروطة بألا يصبح مفهوم الترابط مرادفاً لإقصاء أي من دول الجوار أو تجاوزها، ولا سيما إيران.
جغرافيا لم تتحول بعد إلى قوة
يُعد العراق من الدول القليلة القادرة على ربط الخليج براً بتركيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه أداء دور البوابة بين إيران والعالم العربي. كما تمنحه موارده من النفط والغاز، وحدوده الممتدة، وإطلالته البحرية المحدودة ولكن الاستراتيجية، مجموعة من المزايا المتكاملة.
لكن الموقع المتميز وحده لا يصنع القوة. فالجغرافيا لا تتحول إلى نفوذ استراتيجي إلا عندما تستند إلى بنية تحتية كفوءة، وحوكمة متماسكة، وبيئة قانونية مستقرة، وسياسة خارجية متوازنة. وحتى الآن، كان العراق في أحيان كثيرة ممراً للأزمات أكثر منه ممراً للسلع والطاقة ورؤوس الأموال.
وتكمن فرصة بغداد في قلب هذه المعادلة: فبدلاً من السماح للتنافسات الإقليمية بالمرور عبر الأراضي العراقية، يمكنها ربط المصالح الاقتصادية للأطراف المتنافسة من خلال شبكات يديرها العراق.
طريق التنمية: أكثر من مجرد ممر للنقل
يقع مشروع طريق التنمية اليوم في صلب النقاشات الاقتصادية والبرلمانية العراقية بشأن النقل والاستثمار وتنويع الإيرادات. ويهدف المشروع إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية، ومنها إلى الأسواق الأوروبية، عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة تمتد لأكثر من 1,200 كيلومتر.
ويمكن للمشروع أن يقلص زمن نقل البضائع بين آسيا والخليج وأوروبا، وأن يعزز الإيرادات العراقية غير النفطية، ويدعم إنشاء المراكز اللوجستية والمدن الصناعية ويوفر فرص العمل. غير أن أهميته الحقيقية لا تكمن فقط في طول المسار أو قدرته الاستيعابية، بل في كونه أول اختبار جدي لقدرة العراق على تحويل موقعه الجغرافي إلى قدرة على الفعل الاستراتيجي.
ميناء الفاو
ويتمثل الخطر الرئيسي في أن يُقدَّم المشروع بوصفه ممراً صُمم لتجاوز دول معينة أو لتعزيز محور إقليمي على حساب آخر. فمثل هذا التصور قد يحوّل أداة للتعاون إلى مصدر جديد للتنافس، وقد يدفع الدول التي ترى نفسها مستبعدة إلى مقاومته.
ولذلك، فإن نجاح طريق التنمية سيعتمد على قدرة العراق على تقديمه بوصفه مساراً تكاملياً يرتبط بشبكات إيران وتركيا ودول الخليج وبلاد الشام، لا بديلاً عنها أو مشروعاً يستهدف تقويضها.
إيران: جزء من منظومة الترابط الإقليمي
لا يمكن لأي رؤية واقعية للترابط الإقليمي العراقي أن تتجاهل أهمية إيران. فالبلدان يشتركان في حدود طويلة، وتجارة واسعة، وروابط اجتماعية ودينية، فضلاً عن أوجه تكامل استراتيجية في مجالات الطاقة والنقل والأسواق. ومع مرور الوقت، أفرزت هذه العلاقات أيضاً حالة من الاعتماد المتبادل ومصالح أمنية مشتركة.
وقد أسهم الغاز الإيراني في توفير جزء من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء العراقية، فيما تتجاوز العلاقات الاقتصادية الثنائية نطاق التجارة الرسمية لتشمل اقتصادات المناطق الحدودية وتفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات المحلية. وهذه الروابط ليست مجرد تبعية تجارية، بل تمثل جزءاً من الواقع الاقتصادي والأمني للمنطقة.
ولا يعني ذلك أن على العراق تجنب تنويع مصادر الطاقة أو شراكاته الاقتصادية. فالتنويع ضرورة للأمن الوطني العراقي، لكن التنويع لا يعني الإقصاء. وبوسع بغداد توسيع علاقاتها مع دول الخليج وتركيا والشركاء الغربيين من دون التضحية بروابطها الاقتصادية والبنى التحتية القائمة مع إيران.
كما يمكن للعراق أن يتحول إلى جسر يربط القدرات الإنتاجية وشبكات النقل الإيرانية بالأسواق العربية والمتوسطية. وفي المقابل، تستطيع شبكات السكك الحديدية والطرق والطاقة الإيرانية توسيع نطاق وصول العراق نحو آسيا الوسطى والقوقاز ومسارات التجارة الشرقية. وضمن هذا الإطار، ليس من الضروري أن يكون العراق وإيران متنافسين على الممرات، بل يمكن أن يصبحا عنصرين متكاملين في منظومة أوسع للترابط الإقليمي.
مشروع سكة شلامجة–البصرة
ومن شأن توسيع أوجه التكامل الاستراتيجي هذه أن يحقق مكاسب اقتصادية، وفي الوقت نفسه يعزز الاستقرار العراقي والأمن الإقليمي، من خلال رفع كلفة المواجهة وخلق مصالح مشتركة بين الأطراف المختلفة.
الترابط بوصفه سياسة خارجية
البنية التحتية ليست محايدة بالكامل في أي وقت. فمسار خط للسكك الحديدية، ومصدر خط أنابيب، والقواعد التي تحكم الوصول إلى الموانئ، كلها عوامل تؤثر في توزيع القوة. ولذلك، يحتاج العراق، إذا أراد التحول إلى عقدة إقليمية، إلى ما هو أكثر من مشاريع البناء؛ إنه بحاجة إلى دبلوماسية للترابط.
وينبغي لهذه الدبلوماسية أن تستند إلى ثلاثة مبادئ. أولها الشمولية، بحيث لا يشعر أي من دول الجوار بأن المشاريع العراقية تستهدف إقصاءه أو تطويقه. وثانيها تنويع المسارات، لأن الاعتماد على ممر واحد أو شريك واحد يخلق نقاط ضعف جديدة. أما الثالث فهو التشغيل البيني والتوافق الفني، بما يتطلب مواءمة الأنظمة الجمركية ومعايير السكك الحديدية والأنظمة الرقمية وشبكات الطاقة العراقية مع الشبكات المحيطة. مشروع سكة شلامجة–البصرة
ومن شأن هذا النهج أن يتيح لبغداد التعاون مع إيران وتركيا والسعودية والإمارات وقطر والأردن من دون حصر نفسها داخل كتلة جيوسياسية واحدة. بل إن قوة العراق قد تنبع تحديداً من قدرته على ربط أطراف لا تتسم علاقاتها دائماً بالانسجام.
العقبات الداخلية أمام رؤية إقليمية
قد لا تكمن أكبر العقبات أمام الدور العراقي الجديد في الخارج، بل في الداخل. فمواطن الضعف في الحوكمة، وتشتت المؤسسات، والفساد، وعدم كفاءة الإجراءات الجمركية، والخلافات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وعدم اليقين القانوني، وتقلب الأولويات السياسية، كلها عوامل قد تجرّد أي ممر من قيمته الاستراتيجية قبل اكتماله.
وإذا اقتصر دور طريق التنمية على نقل البضائع الأجنبية من دون دعم الصناعات المحلية، وتوفير فرص العمل، وبناء سلاسل قيمة عراقية، فقد يتحول العراق إلى مجرد مساحة عبور محدودة العائدات. فالبنية التحتية لا تنتج القوة إلا عندما تسهم أيضاً في تغيير الاقتصاد المحيط بها.
ويحتاج العراق كذلك إلى قواعد شفافة تحكم الاستثمار والتعرفة الجمركية والوصول إلى البنية التحتية وتسوية النزاعات. ومن دون هذه القواعد، قد تنتقل المنافسة الخارجية إلى داخل المؤسسات العراقية، لتعيد إنتاج الانقسامات ذاتها التي يُفترض أن يسهم الترابط في الحد منها.
من ساحة صراع إلى صانع للقواعد
لن يقضي الترابط وحده على التنافس الجيوسياسي. فالسكك الحديدية والموانئ يمكن أن تتحول إلى أدوات للمنافسة بالقدر نفسه الذي يمكن أن تصبح فيه منصات للتعاون. والفارق بين المسارين تحدده الطريقة التي يدير بها العراق هذه المشاريع.
فإذا صممت بغداد مشاريعها على أساس الإقصاء، واستراتيجيات التجاوز، والمحاور المتنافسة، فإن الجغرافيا العراقية ستتحول مرة أخرى إلى مسرح للصراع. أما إذا نجحت في ربط إيران وتركيا ودول الخليج وبلاد الشام ضمن شبكة من المصالح المتبادلة، فإن كلفة زعزعة استقرار العراق سترتفع بالنسبة إلى جميع المشاركين فيها.
إن الفرصة الاستراتيجية للعراق لا تكمن في الاختيار بين الشرق والغرب، ولا بين إيران والعالم العربي، بل في ربط هذه الفضاءات بعضها ببعض.
وسيصبح العراق فاعلاً استراتيجياً حقيقياً عندما تعتمد الأطراف الأخرى على استقراره، ليس من أجل السيطرة عليه، بل من أجل الوصول إلى الشبكات التي تديرها بغداد.
قد لا يكون الترابط قادراً على إنهاء التنافس الجيوسياسي بالكامل، لكنه يستطيع احتواءه وتحويله إلى حالة من الاعتماد المتبادل، يصبح فيها التعاون أقل كلفة وأكثر جدوى من المواجهة.