حرب إيران تكرر أخطاء فيتنام: المقارنة التي تفرض نفسها
Foreign Policy
Foreign Policy
المصدر الأصلي
يكشف تحليل جديد أوجه تشابه صارخة بين الحرب الإيرانية الحالية وحرب فيتنام، من حيث الأهداف الضبابية والقيادة الخاضعة للأيديولوجيا إلى غياب رؤية واضحة للنصر. التاريخ يعيد نفسه اليوم في واشنطن، وفق ما يحذر منه المحللون.
تقول مقولة فلسفية عريقة إن «من لا يستطيع تذكر الماضي محكوم عليه بتكراره». صاغها الفيلسوف والشاعر الأمريكي الإسباني الأصل جورج سانتايانا، وتوارثتها أجيال من المفكرين والساسة، منسوبة خطأ أو صواباً إلى شخصيات مثل إدموند بيرك وونستون تشرشل.
في الأسبوع الماضي، عاد الكاتب إلى مراجعة كتاب كلاسيكي حديث للصحافي الراحل ديفيد هالبرشتام بعنوان «الأفضل والألمع» (The Best and the Brightest)، الذي نُشر لأول مرة عام 1972. يروي الكتاب بسخرية لاذعة كيف قادت إدارتا الرئيسين جون كينيدي وليندون جونسون الولايات المتحدة إلى حرب عبثية وغير قابلة للفوز في فيتنام. وفي لحظة تخوض فيها واشنطن حرباً جديدة، يقدم الكتاب تذكيرات قوية بحكمة مقولة سانتايانا.
كثير تغير منذ حرب فيتنام التي كانت كارثة إنسانية ونكسة حقيقية للقوة الأمريكية. لكن جوهر العمى الفكري الذي عانت منه واشنطن آنذاك، ينعكس اليوم في حرب إيران، بل إن أعراضه ازدادت حدة ووضوحاً.
قد يبدو عنوان كتاب هالبرشتام للوهلة الأولى مديحاً لتفوق الكوادر الفكرية التي استقطبها كينيدي واعتمد عليها في قرارات السياسة الخارجية. لكن العنوان مقصود به السخرية. فمستشارو كينيدي، الكثيرون منهم بقوا في عهد جونسون، كانوا فعلاً يجسدون تفوقاً فكرياً شبه مضحك، إذا ما قيست إنجازاتهم قبل دخولهم البيت الأبيض.
خذ مثلاً ماك جورج بندي: تخرج الأول في فصله من مدرسة جروتون الداخلية الراقية، وفي إحدى المرات تظاهر بقراءة واجب لم يكتبه أصلاً، لكنه ألقاه من ذاكرته بتماسك وسلاسة أذهلت أستاذه وزملاءه. بعد تراكم الجوائز والتكريمات في جامعتي ييل وهارفرد، عُين عميداً لكلية الآداب والعلوم بجامعة هارفرد وهو في الرابعة والثلاثين من العمر، سن يكابد فيها معظم الأكاديميين للحصول على الترقية. وعمل لاحقاً مستشاراً للأمن القومي عند كينيدي ثم جونسون.
روبرت ماكنمارا، الذي ترأس شركة فورد سابقاً وشغل منصب وزير الدفاع تحت الرئيسين، كان نموذجاً آخر للتكنوقراطي العبقري الذي آمن إيماناً راسخاً بقدرة العقل التطبيقي والذكاء والمعرفة، أي قوة الفكر المجردة، على التغلب على جميع المشاكل تقريباً. اشتهر ماكنمارا بخبرته في التعامل مع البيانات الضخمة وذاكرة أسطورية.
يروي هالبرشتام حادثة تصف هذه الكفاءة: «جلس مرة في قيادة القيادة الوسطى الأمريكية لثماني ساعات، ينظر إلى آلاف الشرائح التي تعرض ما يُرسل إلى فيتنام وما هو موجود هناك بالفعل. وبعد سبع ساعات قال: توقفوا الجهاز. هذه الشريحة رقم 869 تناقض الشريحة رقم 11. الجميع انبهروا، والكثيرون شعروا بالخوف الشديد».
الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يكثر من التأكيد على أن الحرب الحالية وحرب فيتنام لا تتشابهان، خاصة أن حرب إيران ظلت أقصر بكثير من الحرب الآسيوية، رغم تفاخره الأولي بأنها ستنتهي في أسابيع. غير أن أي قارئ معاصر لكتاب هالبرشتام يصعب عليه الخروج من القراءة دون أن يلاحظ الأوجه المذهلة للتشابه بين النزاعين.
كلاهما انطلق من أهداف غامضة وغير محددة، تتغير باستمرار. كلاهما بُني على خطط رسمتها شخصيات تحركها الأيديولوجيا، وتفتقر إلى أي خبرة بشأن البلد الذي قررت واشنطن الحرب ضده. التخطيط لكليهما تم تقريباً بسرية تامة، دون إتاحة الفرصة لنقاش عام حول الاستراتيجية أو الأهداف، ناهيك عن استشارة الكونغرس أو الحلفاء. كلاهما لم يترك مجالاً لأصوات معارضة لكي تُسمع. كلاهما وضع ثقة مطلقة في قدرة التكنولوجيا الأمريكية المتفوقة والقوة العسكرية الساحقة على ضمان النصر. لا البيت الأبيض في الحالتين فكر بوضوح في كيف سيبدو النصر، أو متى يعرف أنه حقق النصر، أو كيف يخرج من الحرب. وحين بدأت الفواجع تتطور، وقعت كلا الإدارتين تحت تأثير خطابها الخاص. كتب هالبرشتام في مقدمة محدثة للطبعة الصادرة عام 1993: «يبدو أن الإكثار من الكلام صار غاية بحد ذاته».
التشابهات تتسع أكثر. في فيتنام، كانت السلطة العسكرية ميدانياً تقول شيئاً بينما كانت القيادة السياسية في واشنطن تقول آخر. اليوم، الأمر ذاته يحدث في إيران. الجنرالات يشعرون بالقلق من استراتيجية الحرب، لكن أصواتهم محجوبة أو مكتومة. تقديرات المخابرات الحقيقية تصطدم مع الروايات الرسمية للنجاح، تماماً كما كان يحدث في الستينات.
أيضاً، في كلا الحربين، لم تكن هناك خطة واضحة للخروج. كانت الفكرة أن المزيد من القنابل والجنود سيحسم الأمور في النهاية. وعندما لم يحدث ذلك، بدلاً من إعادة النظر في الاستراتيجية، ازداد الالتزام. هذا هو جوهر ما يُعرف بـ «مغالطة التكاليف الثابتة» (sunk cost fallacy)، وهي مغالطة منطقية شديدة الفتك بالقرارات السياسية.
المثال الأخير والأهم: في كلا الحالتين، فشلت القيادة السياسية في فهم الخصم. لم تفهم جيش كينيدي وجونسون طبيعة الحرب التي يخوضانها في فيتنام، ولم يفهموا الشعب الفيتنامي ودوافعه. اليوم، الإدارة الحالية تبدو متحفظة على فهم إيران: تاريخها، ثقافتها، تماسك مؤسساتها، وعمق جذور القيادة الإيرانية في المجتمع.
الفرق الوحيد الحقيقي، كما يقول هالبرشتام ضمناً في عنوانه الساخر، هو أن قادة الحرب الحالية قد لا يملكون حتى الذكاء والخبرة التي امتلكها سلفهم. ترامب نفسه لم يخدم في الجيش قط. وزير الدفاع بيت هيجسيث لم يكن من قادة الجيش البارزين. وزير الخارجية ماركو روبيو ليس متخصصاً في الشرق الأوسط. ومستشار الأمن القومي... حسناً، الأمر لا يحتاج إلى شرح.
الدرس من فيتنام كان يجب أن يكون واضحاً: الغطرسة الفكرية، مهما كانت درجة براعة الأفراد، تقود إلى الكوارث. والفرق بين حرب كينيدي وجونسون وحرب ترامب هو أن الأولى قادتها نخبة فكرية حقيقية، حتى لو أساءت استخدام قدراتها بشكل فادح. الحرب الثانية تقودها قيادة تفتقر حتى إلى هذه المستويات من الكفاءة الأساسية.
العبرة المرة من كتاب هالبرشتام الكلاسيكي، وهو يُقرأ اليوم في سياق حرب إيران، هي أن واشنطن لم تتعلم درس فيتنام. لا بل إن النسخة الجديدة من الخطأ تبدو أسوأ من سابقتها.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#حرب إيران#فيتنام#السياسة الأمريكية#التحليل الاستراتيجي#الأخطاء التاريخية#الشرق الأوسط