كولومبيا: معادن حرجة قد تغيّر موازين الاستراتيجية الأمريكية
المعالجة
ترجمة وتحرير Cross Lines
المصدر
Oil Price
Oil Price
O
Oil Price
المصدر الأصلي
تسعى واشنطن إلى تأمين إمداداتها من المعادن الحرجة في ظل تنامي النفوذ الصيني، وتبرز كولومبيا شريكاً محورياً في هذا المسعى بفضل ثرواتها المعدنية غير المستغلة إلى حد كبير. وتأتي الاتفاقية الجديدة بين البلدين ضمن مساعي الرئيس الكولومبي الجديد لإعادة إحياء التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
منذ توليه السلطة، عمد الرئيس الكولومبي اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا إسبريا بخطى حثيثة إلى استعادة علاقات بلاده مع واشنطن، بعدما تدهورت هذه العلاقات في عهد غustavo بيترو. ويُحيي هذا التقارب تحالفاً استراتيجياً يعود إلى عقود، جعل كولومبيا من أقرب شركاء واشنطن في أمريكا اللاتينية.
وفي مطلع الشهر الماضي، اتفق البلدان على تعميق التعاون في مجال المعادن الحرجة، ومنها العناصر الأرضية النادرة والتنغستن والأنتيمون. ويتسق هذا التحرك مع تعهد دي لا إسبريا بإحياء صناعة النفط الكولومبية، وهي صناعة ذات أهمية اقتصادية حيوية.
ولا يأتي توقيت الاتفاق مصادفة؛ فمع استنزاف الترسانات العسكرية الأمريكية واشتعال النزاعات على جبهات عدة، ولا سيما في الشرق الأوسط، تسعى واشنطن جاهدة إلى تأمين إمدادات المعادن الحرجة اللازمة لتصنيع الأسلحة وتعويض مخزونات الذخيرة المتناقصة. ويهدف الاتفاق إلى إطلاق الإمكانات المعدنية الكبيرة لكولومبيا، عبر تسريع مشاريع التعدين، وتحسين التعاون في تحديد الرواسب القابلة للاستغلال، وتعبئة الاستثمارات اللازمة لتحويلها إلى إنتاج فعلي.
ويستهدف الإطار الاتفاقي العقبات التي تعترض سلسلة إمدادات المعادن الحرجة بأكملها، بدءاً من تحسين رسم الخرائط الجيولوجية والوصول إلى تقنيات التعدين المتقدمة، وصولاً إلى تبسيط إجراءات الترخيص للمشاريع الجديدة. كما يعزز الاتفاق إعادة تدوير المعادن الحرجة، بوصفها مصدراً يزداد أهمية. فنحو 8% من إمدادات الأنتيمون في الولايات المتحدة تأتي من بطاريات الرصاص الحمضية المعاد تدويرها، فيما يُستورد 91% منها. ويتناول الاتفاق كذلك آليات التسعير، وإجراءات بناء سلاسل إمداد قادرة على الصمود، إلى جانب مواجهة الممارسات المناهضة للسوق.
وتضم القائمة الصادرة عام 2025 للمعادن الحرجة، التي أعدتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ونشرتها وزارة الداخلية، 60 معدناً تُعد حيوية للاقتصاد الأمريكي والأمن القومي. ويُعد الأنتيمون والتنغستن عنصرين أساسيين في تصنيع الذخائر والأنظمة التسليحية، ما يجعل تأمين إمداداتهما ضرورة استراتيجية. أما الغاليوم والجermanium والكوبالت، فهي ضرورية لصناعة أشباه الموصلات وغيرها من الإلكترونيات المتقدمة التي تقوم عليها ثورة الذكاء الاصطناعي. ولا يقل الليثيوم أهمية، إذ يُستخدم في البطاريات القابلة لإعادة الشحن التي تحرّك الثورة التكنولوجية.
وتمنح هيمنة الصين على سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة، بما في ذلك تعدين وتكرير كثير من العناصر، بكين نفوذاً جيوسياسياً كبيراً. وقد أظهرت بكين قوة هذا النفوذ حين فرضت قيوداً على تصدير الغاليوم والجermanium والأنتيمون المتجهة إلى الولايات المتحدة، ما كشف اعتماد واشنطن على سلاسل إمداد تسيطر عليها الصين. ورغم تعليق هذه القيود لاحقاً، فإن هذه المهلة مؤقتة، إذ من المقرر أن ينتهي التعليق في 27 نوفمبر 2026.
وتسابق واشنطن الزمن لتأمين إمدادات المعادن الحرجة، في سعيها إلى مواجهة النفوذ المتنامي لبكين على هذه الموارد الاستراتيجية. وتبرز كولومبيا بوصفها حليفاً محورياً في هذا السباق، إذ تتيح لواشنطن فرصة تأمين إمدادات معدنية حيوية، مع ترسيخ الهيمنة الأمريكية في القارة الأمريكية. وقد أعلن الرئيس الكولومبي الجديد دي لا إسبريا، الذي تسلّم منصبه حديثاً، عزمه على توطيد العلاقات مع إدارة ترامب. وقد ضمّ بلاده إلى «درع الأمريكتين»، وهي مبادرة أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة، والتزم بعمليات عسكرية مشتركة.
وتمثل الثروة المعدنية غير المستغلة إلى حد كبير في كولومبيا فرصة استراتيجية نادرة لتأمين موارد حيوية قريبة من واشنطن، بما يعزز الأمن الاقتصادي والعسكري الأمريكي. ورغم تاريخها الطويل في استخراج النفط والفحم، لا يزال قطاع التعدين الكولومبي متخلفاً إلى حد كبير. وتخدم رواسب الفضة والبلاتين والنيكل والنحاس في البلاد قطاعات الدفاع والفضاء والتكنولوجيا الأساسية، فيما تُعد عناصر التنغستن والأنتيمون والكوبالت والمنغنيز والمغنيسيوم ضرورية لصناعة الأنظمة التسليحية والبطاريات والإلكترونيات المتقدمة.
ومن المفارقات أن عقود النزاع المسلح في كولومبيا كشفت عن ثروتها المعدنية الحرجة غير المستغلة إلى حد كبير. ففي إدارة غوانيا القريبة من الحدود الفنزويلية، حققت القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) إيرادات كبيرة من التعدين التجاري للتنغستن في موقع «تايغر هيل» على مدى نحو عقد من الزمن. وكان المعدن المستخرج يُباع لوسطاء يتولون شحنه إلى مشترين في الخارج. وفي عام 2014، استولت بوغوتا على المنشأة وأغلقتها، ولم يُعَد فتحها حتى الآن.
وكشفت العمليات العسكرية جوانب أخرى من تجارة المعادن غير المشروعة التي كانت تدر أموالاً طائلة على الفارك. فقد عمد المتمردون اليساريون إلى تعدين الكوبالت والكولتان على طول الحدود الكولومبية مع فنزويلا والبرازيل. وأدت الغارات التي شُنّت عام 2015 إلى تعطيل هذه العمليات، ونزعت الفارك سلاحها بموجب اتفاق السلام الموقع عام 2016، لكن المناجم ظلت قائمة. ولا تزال جماعات مسلحة غير شرعية أخرى، بينها منشقون عن الفارك رفضوا اتفاق 2016، تستغل هذه المواقع أو تفرض إتاوات على المجتمعات المحلية التي تديرها.
ويرتفع الطلب على الكوبالت بشدة لإنتاج البطاريات والسبائك المقاومة للحرارة. وفي أفريقيا، ارتبط التسابق على استخراج هذا المعدن بالنزاعات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان. ويكتسب الكولتان، وهو خام يحتوي على التنتالوم والنيوبيوم، أهمية استراتيجية مماثلة، إذ يُدرج العنصران في قائمة المعادن الحرجة الأمريكية. ويُعد التنتالوم ضرورياً لتصغير حجم الإلكترونيات، حيث تخزّن المكثفات الصغيرة الشحنة الكهربائية. أما النيوبيوم فيعزز سبائك الفولاذ الخفيفة عالية الأداء، المستخدمة في صناعات تتراوح بين تصنيع السيارات والهندسة المتقدمة.
وكشفت سلسلة من الاكتشافات خلال العقدين الماضيين حجم الثروة المعدنية الحرجة غير المستغلة في كولومبيا. ومن أبرز هذه الاكتشافات رواسب عالية الدرجة من التنغستن والذهب والفضة والنحاس في إدارة كالداس. وفي مشروع «غوايابالس» التابع لشركة «كوليكتيف مايننغ»، أسفر حفر نظام «أبولو» عن نتائج واعدة من الحفر الثمانية الأولى ضمن برنامج استكشافي يضم 30 حفرة. وأفادت الشركة بأن الطبقات العليا للنظام، حتى عمق 150 متراً، تحتوي على منطقة عالية الدرجة غنية بالعناصر الأربعة.
ويمثل هذا الاكتشاف نقطة تحول استراتيجية، إذ يحدد أول رواسب معروفة للتنغستن الصخري الصلب في كولومبيا. وإذا ثبتت جدواه التجارية، فقد يدفع البلد الأنديني إلى سوق عالمية تشهد طلباً متصاعداً، بما يعود بعائدات تصديرية أعلى وإيرادات حكومية من الإتاوات. ويُعد التنغستن ضرورياً للتطبيقات العسكرية، ومنها الذخائر الخارقة للدروع والدروع نفسها وشفرات توربينات المحركات النفاثة. ومن شأن تطوير هذه الرواسب أن يعزز الاقتصاد، ويمنح بوغوتا نفوذاً جيوسياسياً أكبر في السباق العالمي على المعادن الحرجة.
ويمثل مشروع «غوينتار - ألمان - مارغاريتاس» (GAM) التابع لشركة «رويال رود مينيرالز»، الواقع على بعد خمسين كيلومتراً غرب مدينة medellín، فرصة استكشافية واعدة أخرى في مجال المعادن الحرجة. فقد وسّعت أعمال رسم الخرائط الجيولوجية وأخذ العينات السطحية نطاق نظام عروق عالي الدرجة غني بالفضة والذهب والأنتيمون والمعادن الأساسية، ما يعزز الحجة لمواصلة الاستكشاف. وإذا أثبت المشروع جدواه التجارية، فسيعزز بشكل كبير إنتاج الأنتيمون في كولومبيا، حيث توجد بالفعل صناعة تصديرية صغيرة لهذا المعدن الحرج.
ويجعل منجم «سيرو ماتوسو» في إدارة قرطاجنة كولومبيا ثاني أكبر منتج للنيكل في أمريكا الجنوبية بعد البرازيل. وقد باعت شركة التعدين العالمية «South32» المنشأة في نهاية عام 2025 إلى شركة «CoreX Holding B.V.» في صفقة بلغت قيمتها 100 مليون دولار. وجاء البيع نتيجة انخفاض درجات الإنتاج وضعف أسعار النيكل، فضلاً عن توجه الشركة الاستراتيجي نحو النحاس والزنك. ومن شأن استغلال هذه المعادن تجارياً أن يمنح الاقتصاد الكولومبي دفعة قوية في وقت يعاني فيه من ضعف مالي واقتصادي.
وتُعد كولومبيا قوة راسخة في إنتاج الوقود الأحفوري، إذ تحتل المرتبة الخامسة بين منتجي النفط في أمريكا الجنوبية، وهي أكبر منتج للفحم في القارة. ويمكن للاكتشافات المعدنية الحرجة الكبيرة أن تضع كولومبيا في قلب مساعي واشنطن لتأمين الموارد الاستراتيجية، ومواجهة هيمنة الصين، وكسر قبضتها على سلاسل الإمداد الحيوية. وإذا ثبتت الجدوى التجارية للمشاريع الاستكشافية المطروحة، فستعزز موقع كولومبيا الجيوسياسي، وتوفر الإيرادات الحيوية اللازمة لتخفيف الضغوط المالية والاقتصادية المتزايدة.