سياسة🌐 Available in English١٧ آب ٢٠٢٦

أستراليا تشدّد الخناق على الصين من جديد

أستراليا تشدّد الخناق على الصين من جديد
Foreign Policy
Foreign Policy
Foreign Policy
المصدر الأصلي

بعد سنوات من محاولة تطبيع العلاقات مع بكين، تتخذ حكومة ألبانيز موقفاً أكثر حزماً تجاه الطموحات الصينية الإقليمية. يكشف التحول عن رهان استراتيجي أسترالي جديد على النفوذ الأمريكي وسط تصاعد التنافس الجيوسياسي.

منذ توليها الحكم في 2022، روّجت حكومة حزب العمال الأسترالي برئاسة رئيس الوزراء أنثوني ألبانيز لفضائل علاقة "مستقرّة" مع الصين تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ. كانت ثمار هذا النهج واضحة: تخليها عن خطاب "الردّ" على بكين لصالح بلاغة حذرة تركز على الانخراط "البنّاء". فتحت تلك السياسة الباب أمام رفع الحصار الاقتصادي الذي فرضته الصين على الصادرات الأسترالية إبان حكومة سكوت موريسون السابقة، والتي شملت النبيذ والشعير والكركند والفحم. في ديسمبر 2024، أزالت بكين آخر حظر اقتصادي تفرضه على الكركند الأسترالي.

مع ذلك، استمرت التكامل الاقتصادي بين الدولتين طوال فترة التوتر الدبلوماسي الشديد، خاصة في قطاع الموارد الطبيعية. ظل استخراج خام الحديد الأسترالي وتصديره إلى الصين بمثابة العمود الفقري للازدهار الاقتصادي الأسترالي على مدى ثلاثة عقود، ولم يجرؤ أي من الجانبين على استخدامه كورقة ضغط.

وعلى الرغم من الحزمة الكبيرة من العقوبات الموجهة ضد الصادرات الأسترالية خلال تلك الفترة، كادت الصادرات الأسترالية الإجمالية إلى الصين أن تتضاعف: ارتفعت من 116 مليار دولار في 2017 إلى 218 مليار دولار في 2023. ومع رواج الأعمال التجارية، اختارت حكومة العمال المسار الأيسر بعد فوزها الانتخابي الأول منذ 12 عاماً، فأعادت فتح قنوات الحوار مع بكين. كما استُعيدت زيارات القادة المتبادلة بشكل سنوي، التي ظلت معلّقة منذ 2017.

كانت حكومة ألبانيز، بعد دخولها فترة ولايتها الثانية، تتحلى بانضباط استثنائي في الالتزام بخطاب "الاستقرار"، حتى وسط تطورات عديدة أثارت مخاوف أمنية. فلم تستطع ألبانيز أن تزحزح عن هذا الموقف واقعة إبحار أسطول بحري صيني صغير حول البلاد في العام الماضي، ولا حتى قرار الصين بإجراء تدريبات إطلاق نار حي دون سابق إنذار في بحر تسمان الفاصل بين أستراليا ونيوزيلندا.

كانت "الاستقرار" فكرة جاذبة في عالم تضطرم فيه من جديد تنافسات القوى العظمى: حتى شي وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استشهدا بهذا المفهوم لوصف العلاقات الأمريكية-الصينية بعد قمتهما في بكين في مايو من هذا العام.

غير أن بوادر القلق بدأت تظهر مؤخراً. أصبح نبرة ألبانيز تجاه بكين أقسى. بات رئيس الوزراء أكثر صراحة في حديثه عن طموحات بكين الإقليمية، فأعلن في مقابلة حديثة مع صحيفة "نيويورك تايمز" أن الصينيين "يسعون إلى زيادة نفوذهم على الأقل، والسيطرة الإقليمية على المدى الطويل". كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها ألبانيز بهذه الصراحة عن الطموحات الاستراتيجية الصينية.

وفي أعقاب تلك المقابلة مباشرة، أطلقت الصين صاروخاً قادراً على حمل رؤوس نووية في المحيط الهادئ، ما أرغم ألبانيز على تشديد موقفه. تزامن الاختبار مع توقيع كانبرا على تحالف دفاعي جديد مع فيجي، بعد اتفاقيات مماثلة وقّعتها الحكومة الأسترالية مع بابوا غينيا الجديدة وفانواتو، بالإضافة إلى ترتيبات أمنية وشرطية اتفقت عليها مع جزر سليمان وتوفالو.

وصف ألبانيز اختبار الصين بأنه تصرف "استفزازي" وأعرب عن استيائه من ساعات الإنذار القليلة التي أعطتها بكين. كان هذا الموقف متناقضاً بشدة مع الحذر السابق؛ ففي العام الماضي، عندما ظهرت سفينة بحثية صينية قبالة السواحل الأسترالية، قال رئيس الوزراء بلطف إنه "يفضل" عدم وجودها هناك.

لاحظت افتتاحية حديثة في صحيفة "جلوبال تايمز" الناطقة باسم الحكومة الصينية أن تعليقات رئيس الوزراء "تستحضر بالضرورة الفترة غير السارة في العلاقات الصينية-الأسترالية قبل بضع سنوات". لكن هل حقاً تتجه الأمور في هذا الاتجاه؟ وما الذي يفسر هذا الانقلاب في موقف أستراليا تجاه أكبر شريك تجاري لها؟

لم تصل بعد بلاغة ألبانيز عن الصين إلى مستوى ما بلغه سلفاؤه موريسون ومالكولم تيرنبول، اللذان واجها بكين علناً. لكن التحول يبقى ذا أهمية كبيرة، خاصة لأنه يتزامن مع موقف ترامب الأشد حيالاً تجاه الصين، وهو ما يعكس حساباً استراتيجياً أسترالياً أعمق.

قد يعتقد البعض أن أستراليا تتحرك بحذر متماشياً مع صعود ترامب والاضطرابات الأمريكية السياسية. لكن الواقع أعقد من ذلك. ما تفعله كانبرا هو رهان جريء على أن الولايات المتحدة ستبقى، بغض النظر عن صراعاتها الداخلية، القوة المستقرة والموثوقة في آسيا والمحيط الهادئ. وتعتقد أستراليا أنها بحاجة إلى الاستعداد لسيناريو قد تصبح فيه المنطقة ساحة منافسة عسكرية مباشرة بين أمريكا والصين.

هذا الرهان يختلف عن موقف حلفاء آخرين للولايات المتحدة. فبينما تسعى دول أوروبية إلى توازن بين الاشتباك مع الصين والحفاظ على حيّز من الاستقلالية الاقتصادية، تضع أستراليا كل بيضها في سلة واحدة: الحماية الأمريكية. هذا يعكس موقفاً جيوسياسياً فريداً لأستراليا كمتحالفة أمريكية غريبة الأطوار في المنطقة الآسيوية.

تأتي هذه اللحظة في سياق أوسع من تغييرات إقليمية: توسع النفوذ الصيني في جزر المحيط الهادئ، والمخاوف من قاعدة عسكرية صينية محتملة، والتنافس على المعادن النادرة والموارد الاستراتيجية الأخرى. تدرك كانبرا أن موقفها الجغرافي يضعها في الخط الأول لأي صراع إقليمي، ومن ثم فإن الاستثمار المبكر في التحالفات الأمنية مع دول المحيط الهادئ والالتزام بالحماية الأمريكية يبدو، من وجهة نظر استراتيجية أسترالية، ضرورياً وحتمياً.

السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت أستراليا ستغيّر مسارها—فقد بدأت بالفعل—بل كم ستكون حادة وسريعة وصراحة هذا التغيير. هل ستحاول ألبانيز الموازنة بين علاقات أمنية قوية مع أمريكا وحوار اقتصادي مستمر مع الصين؟ أم أن الحسابات الجيوسياسية ستفرض عليها اختياراً بينهما؟ تلك الأسئلة ستحدد طبيعة العلاقة الأسترالية-الصينية في السنوات المقبلة، وربما الاستقرار الإقليمي برمته.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#أستراليا#الصين#العلاقات الأسترالية الصينية#السياسة الإقليمية#الأمن الآسيوي#التنافس الجيوسياسي
المصدر: Foreign Policy

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته