من الاعتقالات إلى استرداد الأموال.. أين وصلت حملة مكافحة الفساد في العراق؟
محمد العكيلي
بقلم — كاتب CROSS LINES
التقرير يتحدث عن تطورات حملة مكافحة الفساد في العراق والنتائج المتحققة وما يمكن اتخاذه من إجراءات لإنجاحها وعدم جعلها مجرد حملة انفعالية لن تؤدي الى تفكيك منظومة الفساد في البلاد.
لم تعد حملة مكافحة الفساد الجارية في العراق مجرد تعهد حكومي جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الشعارات التي رفعتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003، بل دخلت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمر حكومة علي فالح الزيدي مرحلة مختلفة نسبيا، انتقلت فيها الدولة من الحديث عن محاربة الفساد إلى تنفيذ اعتقالات بحق شخصيات سياسية وإدارية، وتتبع الأموال والعقارات والذهب، وفتح ملفات امتدت من وزارة النفط إلى جهات ومؤسسات أخرى.
لكن السؤال الأكثر أهمية بعد مرور مئة يوم على تشكيل الحكومة ليس: كم شخصا اعتُقل؟ وكم مليون دولار ضُبط؟ وإنما: هل بدأت الدولة فعلا بتفكيك منظومة الفساد، أم أننا نشهد حملة قوية في بدايتها ما زالت بحاجة إلى التحول من عمليات ضبط واعتقالات إلى نظام مؤسسي دائم يمنع إنتاج الفساد من جديد؟
آخر التطورات تعطي الحملة زخما واضحا. ففي السادس عشر من آب، أعلن القضاء العراقي، بالتنسيق مع إقليم كردستان، ضبط 20 مليوناً و340 ألف دولار، و200 مليون دينار عراقي، واسترداد 60 كيلوغراما من الذهب وسبع سيارات ضمن التحقيق في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف عدنان الجميلي والأطراف المتورطة معه. وأكد قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية استمرار ملاحقة المتورطين واستكمال الإجراءات القانونية.
وهذا التطور مهم ليس لحجم الموجودات المضبوطة فحسب، وإنما لأنه جاء بعد أسابيع من العمليات المتتابعة، ما يعني أن الملف لم يتوقف عند الاعتقال الأول، بل تحوّل إلى عملية تتبع مالي مستمرة للأموال والموجودات والأشخاص المرتبطين بالقضية.
القضية التي فتحت أبوابا أوسع
يمكن اعتبار قضية عدنان الجميلي نقطة التحول الأبرز في الحملة الحالية. فبعد توقيفه توسعت التحقيقات إلى دائرة أكبر من المسؤولين والسياسيين، وصولا إلى العملية الواسعة التي شهدتها المنطقة الخضراء في الثامن والعشرين من حزيران.
وأفادت رويترز بأن قوات جهاز مكافحة الإرهاب نفذت أوامر قبض قضائية أسفرت عن توقيف 47 شخصا من سياسيين ومسؤولين كبار، فيما أكدت وكالة اسوشييتد برس أن القائمة شملت 12 نائبا حاليا بعد رفع الحصانة البرلمانية عنهم، إضافة إلى مسؤولين حاليين وسابقين. وأوضح قاضي التحقيق أن أصل التحقيقات يعود إلى شبهات باستغلال موارد الدولة في النشاط الانتخابي والاستفادة من العقود الحكومية بصورة مباشرة أو غير مباشرة للحصول على عمولات ومنافع شخصية.
هذه النقطة بالذات تميز الحملة الحالية عن كثير من الحملات السابقة؛ لأن التحقيق لم يبق محصورا بموظفين صغار أو حلقات تنفيذية دنيا، وإنما وصل إلى مواقع سياسية وتشريعية وإدارية عليا.
من ضبط الأموال إلى تعقب الثروة
الملاحظة الثانية المهمة هي أن السلطات لم تكتف بملاحقة الأشخاص، وإنما انتقلت بصورة واضحة إلى تعقب العائد المالي المفترض للفساد.
ففي السادس من تموز أعلن مجلس القضاء الأعلى ضبط 25 مليار دينار جديدة، ومليون دولار، ونحو خمسة كيلوغرامات من المصوغات الذهبية في قضية الجميلي، وقال إن إجمالي المبالغ التي كانت مضبوطة حتى ذلك التاريخ بلغ 127 مليار دينار و24 مليون دولار، فضلا عن العقارات والعجلات والمصوغات الذهبية.
وفي الثالث عشر من تموز أعلن القضاء، بالتنسيق مع إقليم كردستان، استرداد 358 كيلوغراما من الذهب في القضية نفسها، إضافة إلى ضبط 17 كيلوغراما في قضية أخرى، لتصل كمية الذهب المتحفظ عليها في ذلك اليوم إلى 375 كيلوغراما، ثم جرى تسليم الذهب المسترد إلى دائرة الإصدار والخزينة في البنك المركزي العراقي.
وفي السادس والعشرين من تموز أعلن القضاء ضبط 27 مليار دينار إضافية كانت مخبأة لدى عدد من الأشخاص، مؤكدا أن التحقيقات مستمرة للوصول إلى بقية المتورطين.
ثم جاءت عملية السادس عشر من آب بالمبالغ والذهب والسيارات الجديدة.
وهنا من الضروري عدم جمع جميع هذه الأرقام بصورة حسابية مباشرة للخروج برقم إجمالي، لأن بعض بيانات القضاء استخدمت أرقاما تراكمية، وبعض المضبوطات الجديدة قد تدخل ضمن إجماليات أعلنت في مراحل لاحقة. لكن تسلسل البيانات يكشف أمرا أكثر أهمية من الرقم النهائي: التحقيق أصبح يتتبع الأثر المالي للفساد بصورة مستمرة بدلا من الاكتفاء باعتقال المتهم.
وهذه ربما تكون أهم نقطة إيجابية في الحملة حتى الآن؛ لأن الفساد المالي لا يُحارب فعليا بوضع الأشخاص في السجون فقط، وإنما بحرمان الشبكة المستفيدة من الأموال والعقارات والأصول التي راكمتها.
ماذا أنجزت الحملة فعليا؟
بعد نحو مئة يوم، يمكن تسجيل أربعة تحولات واضحة:
الأول هو كسر حاجز الموقع السياسي؛ إذ وصلت أوامر القضاء إلى نواب ومسؤولين كبار، وهو أمر يمنح رسالة بأن الموقع الرسمي أو الحصانة السياسية ليست مانعا مطلقا للتحقيق.
والثاني هو الانتقال إلى استرداد الموجودات؛ إذ لم يعد الملف قائما على الاعتقالات فقط، بل على تعقب النقد والذهب والعقارات والسيارات والأصول.
والثالث هو استخدام أجهزة الدولة المختلفة ضمن عملية واحدة، من القضاء إلى الأجهزة الأمنية والبنك المركزي والتنسيق مع إقليم كردستان.
أما الرابع فهو أن الحملة استطاعت خلال فترة قصيرة أن تضع مكافحة الفساد في مركز النقاش السياسي العراقي. وقد اعتبرت الحكومة، في تقييمها للمئة يوم الأولى، أن الملف انتقل من الخطاب السياسي إلى مسار يقوم على الرقابة واسترداد المال العام ومساءلة المتورطين. لكن هذا التقييم يبقى صادرا عن الحكومة ومستشاريها، ولذلك ينبغي قياسه لاحقا بما تنتجه المحاكم وأجهزة الرقابة من نتائج مستقلة.
لكن أين تكمن نقطة الضعف؟
على الرغم من الحجم الكبير للمضبوطات والاعتقالات، توجد فجوة أساسية بين الحملة الأمنية القضائية وبين الإصلاح البنيوي.فإلقاء القبض على مسؤول متهم بتضخيم عقد حكومي يعالج نتيجة الفساد، لكنه لا يعالج بالضرورة النظام الذي سمح بتضخيم العقد.واسترداد ملايين الدولارات يعيد أموالا إلى الدولة، لكنه لا يمنع موظفا أو مسؤولا جديدا من استخدام الآلية نفسها بعد سنوات إذا بقي نظام التعاقدات والرقابة والتمويل السياسي دون تغيير.
الخطر الأكبر.. الانتقائية السياسية
أكبر اختبار للحملة لن يكون القبض على خصوم سياسيين، بل قدرتها على الوصول إلى المتهمين بغض النظر عن موقعهم وتحالفهم وانتمائهم.
فالفساد في العراق ارتبط طوال سنوات بنظام واسع من المحاصصة والنفوذ والعقود والتمويل الحزبي، ولذلك فإن أي حملة تترك انطباعا بأنها تستهدف جناحا سياسيا وتحمي جناحا آخر ستفقد ثقة الجمهور مهما كان حجم الأموال التي تستردها.
وهذا القلق ليس افتراضيا؛ إذ أشارت AP إلى أن قضايا الفساد في العراق كثيرا ما تتداخل مع التنافس على السلطة والنفوذ، وهو ما يجعل استقلال القضاء ووضوح الأدلة والإجراءات مسألة مركزية في حماية الحملة من الاتهامات بالتصفية السياسية.
ولهذا ينبغي أن يكون المبدأ بسيطا: لا حصانة للفاسد، ولا إدانة قبل القضاء، ولا استثناء بسبب الانتماء السياسي.
الأرقام وحدها لا تعني أن العراق تجاوز المشكلة
رغم التحسن الذي سجله العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، فإنه ما زال يحصل على 28 نقطة من أصل 100 ويحتل المرتبة 136 من أصل 182 دولة، وهي مرتبة تؤكد أن مشكلة الفساد ما زالت بنيوية وليست مجرد مجموعة ملفات فردية.
وقد وصف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحسن العراق في المؤشر بأنه بداية إصلاح تحتاج إلى التحول إلى ثقة مؤسسية، فيما شددت منظمة الشفافية الدولية على أن مكافحة الفساد في المنطقة تحتاج إلى مؤسسات رقابية مستقلة وقوية، وشفافية أكبر، وإصلاحات تتعلق بالملكية الحقيقية للشركات والمساءلة.
وهذا يعني أن حملة الزيدي، مهما بلغت قوتها، لن تستطيع وحدها إنهاء الفساد إذا بقيت إجراءات استثنائية مرتبطة بإرادة رئيس حكومة واحد.
القيمة الحقيقية للحملة ستكون في بناء منظومة تستطيع الاستمرار بعد مغادرته السلطة.
من ( حملة ) إلى ( نظام مكافحة فساد )
المرحلة المقبلة ينبغي أن تتحرك في ثلاثة اتجاهات متوازية.
أولا، استمرار الملاحقة القضائية واسترداد الأموال، مع نشر نتائج القضايا بعد استكمالها بما يسمح للرأي العام بمعرفة ما الذي حدث وكيف أهدرت الأموال.
ثانيا، مراجعة العقود والمشاريع التي كشفت التحقيقات وجود خلل فيها، وإعادة تصميم منظومة التعاقد الحكومي بحيث تصبح المناقصات والشركات الفائزة وقيم العقود والتغييرات التي تطرأ عليها أكثر شفافية.
وثالثا، بناء قاعدة معلومات مالية تسمح بربط الذمة المالية للمسؤول بالعقارات والشركات والحسابات والمركبات والأصول المسجلة باسمه أو بالأشخاص المرتبطين به، مع إعطاء ملف تضخم الأموال والكسب غير المشروع مساحة أكبر في التحقيقات.
وهيئة النزاهة الاتحادية بدأت بالفعل خلال 2026 حملة للإبلاغ عن تضخم الأموال والكسب غير المشروع في قطاعات مؤسسات الدولة، بما فيها قطاع النفط، وهو مسار يمكن أن يشكل الذراع الوقائية المكملة لعمل القضاء.
استرداد الأموال أهم من صور الأموال
هناك فرق بين ( ضبط ) الأموال وبين ( استردادها نهائيا إلى خزينة الدولة ). فالموجودات المضبوطة خلال التحقيق تكون مرتبطة بإجراءات قضائية، وقد تحتاج إلى أحكام نهائية لإثبات مصدرها ومصادرتها بصورة قانونية. ولهذا ينبغي ألا تتحول صور أكوام الدولار والذهب إلى معيار وحيد للنجاح. النجاح يقاس في النهاية بما يدخل فعليا إلى خزينة الدولة بعد انتهاء المحاكمات، وبعدد العقود التي أوقف هدرها، وبالأموال التي مُنع نهبها قبل وقوع الجريمة.
بل إن منع سرقة مليار دينار قبل حدوثها أكثر أهمية مؤسسيا من استرداد المليار بعد سنوات من التحقيقات.
لماذا تبدو الحملة مختلفة حتى الآن؟
المؤشر الأكثر إيجابية ليس حجم الأموال، بل سرعة انتقال التحقيق من شخص إلى شبكة، ومن شبكة إلى موجودات، ومن بغداد إلى محافظات أخرى وإقليم كردستان، ومن الاعترافات إلى أوامر قبض ورفع حصانات.
كما أن استمرار ظهور مضبوطات جديدة بعد أسابيع من بدء العمليات يشير إلى أن التحقيقات لم تنته بانتهاء الزخم الإعلامي الأول.
لكن هذه الميزة نفسها تحمل خطرا: إذا أصبحت الحملة مرتبطة بقضية واحدة أو باعترافات شخص واحد، فقد تفقد الزخم بعد استنفاد تلك الدائرة.
لذلك تحتاج الحكومة إلى تحويل الخبرة التي اكتسبتها في القضية الحالية إلى نموذج دائم تستطيع تطبيقه في الكهرباء والجمارك والمنافذ والمصارف والعقود العامة والأراضي والمشاريع الاستثمارية وغيرها.
المعركة الناجحة ليست التي تمتلئ فيها السجون بالفاسدين فحسب، بل التي تصبح فيها مؤسسات الدولة مصممة بطريقة تجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، وإخفاء أمواله شبه مستحيل.