بينما يؤكد الرئيس الأمريكي إزالة جميع الألغام من مضيق هرمز، يرفض المجتمع البحري العالمي تصديق هذه الادعاءات ويستمر في تجنب الممرات الآمنة المزعومة. يعكس هذا التناقض صراعاً أوسع بين ما يقوله ترامب وما يراه العالم على أرض الواقع.
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة تروث سوشيال في الخامس والعشرين من أغسطس أن "البحرية الأمريكية أخبرته بإزالة جميع الألغام و/أو تفجيرها من المياه الدولية بمضيق هرمز". وكان إيران قد زرعت هذه الألغام في بداية الصراع على طول ممر فصل حركة السفن الرسمي الذي يخترق وسط المضيق، مما جعل الإبحار من خلاله محفوفاً بالمخاطر الشديدة. وإزالة الألغام عملية معقدة وخطرة بطبيعتها، خاصة وسط نزاع مستمر، لكن الرئيس أعلن أن المهمة اكتملت بنجاح.
بدت الأنباء إيجابية على الورق. وأفادت وسائل إعلام متعددة بأن "السفن ستتمكن من الإبحار في اتجاهات متزامنة عبر المضيق تحت حماية القوة الجوية الأمريكية، مما يسمح بتصدير كميات أكبر من النفط إلى الأسواق العالمية". لكن المجتمع البحري العالمي لم يصدق الإعلان.
على الرغم من التأكيدات الواردة من واشنطن، ظلت حركة السفن في المضيق ثابتة عند حوالي ثلاثين عبوراً يومياً، مقابل متوسط يبلغ مئة وتسعة وعشرين عبوراً قبل اندلاع الحرب. والأهم أن معظم السفن اختارت الإبحار بمحاذاة السواحل الإيرانية والعمانية بدلاً من الاعتماد على ممر فصل حركة السفن المزعوم أمنه. وهكذا ساد تناقض معرفي صارخ مضيق هرمز: ما يقوله ترامب كرئيس للولايات المتحدة من جهة، وما يراه مالكو السفن والمتخصصون على الواقع من جهة أخرى.
أصر ترامب على موقفه بعد يومين، قائلاً إن المضيق "مفتوح بالكامل". وردد قائد القيادة الوسطى الأمريكية براد كوبر الرسالة ذاتها على وسائل التواصل الاجتماعي بقوله إن "الولايات المتحدة نجحت في إزالة الألغام البحرية من الممرات الملاحية الدولية بالمضيق"، مضيفاً أن "ممرات العبور المعترف بها دولياً خالية من ألغام إيران بفضل الجهود الاستثنائية للقوات العسكرية الأمريكية". بلا شك، يستحق غواصو وفريق الفريق الخاص البحري الأمريكي التقدير على شجاعتهم وكفاءتهم في هذه المهمة الخطرة.
لكن كوبر، على عكس ترامب، لم يؤكد إزالة جميع الألغام دون استثناء. والسبب بسيط: من المستحيل معرفة عدد الألغام المزروعة فعلاً وأماكنها بدقة. كانت رسائل ترامب وكوبر موجهة نحو تهدئة أسواق النفط العالمية، لكن حركة السفن لم تتسارع. فقد توصل المجتمع البحري إلى الخلاصة الصحيحة بأن ليس جميع الألغام قد أزيلت فعلاً.
وليست الألغام الخطر الوحيد الذي يهدد السفن في المضيق. في الثلاثين من أغسطس، شنت الولايات المتحدة غارات صاروخية جديدة ضد إيران بعدما كتشفت القيادة الوسطى أن إيران تخطط لزرع المزيد من الألغام. وفي اليوم التالي، نشر ترامب على منصته فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي يظهر جزيرة خارج في إيران "تنفجر إرباً وتدماراً". ارتفعت أسعار النفط فوراً.
التناقض المعرفي في البيت الأبيض يتجاوز بكثير ممراً بحرياً ضيقاً في الشرق الأوسط. في يناير الماضي، عندما بدأ ترامب يفكر في السيطرة على جزيرة غرينلاند، أشار إلى أن "الجرينلانديين يريدون أن يكونوا معنا". لكن استطلاعاً للرأي أجري العام الماضي أظهر أن 85 في المئة من سكان الجزيرة لا يريدون ضمها إلى الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، أكد قادة غرينلاند للعالم أجمع موقفهم الرافض مراراً وتكراراً.
بعد أسابيع من الإدلاء برأيه حول رغبات سكان غرينلاند، شن ترامب هجماته على إيران. وفي خطابه للأمة، التفت نحو الشعب الإيراني مباشرة، قائلاً: "ساعة تحررك قد حانت. ابقَ في منزلك. لا تغادره. إنه خطر جداً بالخارج. ستتساقط القنابل في كل مكان. عندما ننتهي من مهمتنا، استعد للاستيلاء على حكومتك. ستصبح ملكك."
هذه الرسالة، مثلها مثل التصريحات حول تطهير مضيق هرمز من الألغام، تعكس نمطاً متكرراً: رئيس يعيش في واقع موازٍ لا يتطابق مع الحقائق الملموسة. السفن لا تستطيع الإبحار في مضيق وهمي موجود فقط في عقل ترامب. والشعب الإيراني، مثل سكان غرينلاند، لم يُطلب رأيه، وحتى لو طُلب، فإجابته ستختلف كثيراً عما يتخيله الرئيس الأمريكي.