الشرق الأوسط على أعتاب حقبة جديدة الاتفاق الأمريكي-الإيراني وإعادة صياغة موازين القوى
مصطفى محمد الحاج علي
بقلم — كاتب CROSS LINES
في تحول جيوسياسي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط خلال عام 2026 برزت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية كحدث مفصلي لا يكتفي بإنهاء حالة التصعيد المباشر بل يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة التنازلات الحقيقية ومن المستفيد الفعلي من هذه الصفقة المعقدة.
في ظل هذه الأوضاع تجد إسرائيل نفسها اليوم في موقف حرج فالاتفاق يمثل تراجعاً حاداً للرهان الإسرائيلي الذي بنى استراتيجيته لسنوات على إقناع واشنطن بضرورة تبني خيار العمل العسكري المفتوح، أو تشديد المقاربة الردعية ضد طهران. إن الانتقال الأمريكي نحو لغة الحوار والاتفاقات الثنائية يعزل الموقف الإسرائيلي المتشدد، ويُشعر تل أبيب بأنها باتت تتحرك خارج دائرة التأثير في القرارات الاستراتيجية الكبرى التي تخص أمن المنطقة، مما يجعلها الطرف الأكثر تضرراً من هذا التحول المفاجئ. يرى محللون مطلعون على كواليس المفاوضات أن طهران نجحت في تطبيق استراتيجية تفاوضية تقوم على مقايضة الوعود والتطمينات بمكاسب سياسية واقتصادية ملموسة، دون أن تمس بثوابتها الاستراتيجية أو نفوذها الإقليمي. وتتجلى هذه الديناميكية في مسارين رئيسيين:
• مفارقة الملف النووي تُسوق واشنطن الاتفاق على أنه إنجاز تاريخي لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكن المفارقة تكمن في أن طهران بناءً على موقفها الرسمي المعلن بعدم السعي لإنتاج السلاح قامت عملياً بالتنازل عن طموح تنفي وجوده أصلاً في أجندتها العسكرية ومن خلال هذه المناورة حولت إيران الملف إلى ورقة تفاوضية تسعى عبرها لكسب اعتراف دولي بوضعها النووي الحالي ورفعاً لجزء من العزلة المفروضة عليها. • أمن الملاحة كأداة ضغط مستحدثة في خطوة لافتة، ظهرت طهران وكأنها تقدم تنازلاً كبيراً عبر التعهد بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز وتأمين التجارة الدولية والواقع أن هذا الملف لم يكن يمثل أزمة مشتعلة قبل موجة التصعيد الأخيرة، لكن طهران نجحت في استثماره كورقة قوة مستجدة وفرضته على طاولة المفاوضات، لتظهَر في ثوب الطرف المرن الذي يقدم تنازلات جوهرية بينما هي في الحقيقة لم تفقد أي المقومات الأساسية لنفوذها الإقليمي.
استراتيجية الثوابت وتحصين النفوذ تثبت هذه المعطيات أن طهران تمكنت من الحفاظ على ركائزها الجوهرية بل واستغلت الرغبة الأمريكية الملحة في التهدئة لانتزاع اعتراف دولي بموقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. إن ما قدمته إيران لواشنطن لا يعدو كونه تطمينات إجرائية حول ملفات إما أنها غير معنية بتصعيدها (كالسلاح النووي) أو أنها أعادت صياغتها لتصبح أوراق مقايضة (كأمن الملاحة)، مما يجعلها الطرف الذي خرج بالحصيلة الأكبر من المكاسب السياسية والدبلوماسية. مستقبل المنطقة ما بعد الصفقة يضع هذا الاتفاق الشرق الأوسط أمام واقع سياسي جديد، أثبتت فيه إيران قدرتها على المناورة الدبلوماسية بنفس كفاءة حضورها الميداني وبينما تترقب العواصم الإقليمية بدقة مخرجات هذه التهدئة وانعكاساتها على الملفات الساخنة، يبدو واضحاً أن طهران قد نجحت في تحويل أزمة التصعيد إلى مرحلة جديدة لترسيخ نفوذها، دون أن تدفع ثمن ذلك من رصيدها الاستراتيجي أو عقيدتها السياسية.