مقالاتنا🌐 Available in English١٩ أيلول ٢٠٢٦

اخر برميل نفط.. مستقبل اخضر للعالم

اخر برميل نفط.. مستقبل اخضر للعالم
مصطفى مازن
مصطفى مازن
بقلم — كاتب CROSS LINES

الصحفي البارز المتخصص في شؤون الطاقة كين سلفرستين يروي قصة رهان ناجح على الطاقة النظيفة


قبل عقدين من الزمن، حين كان الحديث عن "نهاية عصر النفط" يبدو أقرب إلى التكهنات منه إلى نقاش جدي في السياسات العامة، اتخذت أبوظبي قراراً جريئاً: تخصيص جزء من عائداتها النفطية الضخمة للاستثمار في رهان جديد عنوانه الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

في ذلك الوقت، كانت هذه التقنيات باهظة التكلفة، ولم تصل بعد إلى مرحلة النضج، وكانت بعيدة كل البعد عن أن تُعد خياراً اقتصادياً بديهياً.

ذلك الرهان، بكل ما رافقه من تحديات وانتكاسات ونجاحات لاحقة، يشكل جوهر كتاب الصحفي الأمريكي كين سلفرستين "آخر برميل نفط"، الذي يأخذ القارئ إلى داخل واحدة من أكثر تجارب التحول في قطاع الطاقة طموحاً في العالم: صعود شركة "مصدر" الإماراتية للطاقة المتجددة.

وسلفرستين ليس مراقباً عابراً لقطاع الطاقة. فهو صحفي مخضرم متخصص في هذا المجال وكاتب في مجلة "فوربس"، كما سبق أن ظهر ضيفاً في حلقة خاصة من برنامج "كروس لاينز". وتمنح هذه الخلفية كتابه وزناً إضافياً، فهو لا ينظر إلى "مصدر" فقط بعين المدافع عن الطاقة النظيفة، بل بعين صحفي يمتلك معرفة عميقة باقتصاديات النفط والغاز الطبيعي، ويدرك تماماً مدى استثنائية القرار الذي اتخذته أبوظبي عام 2006.

Masdar City
Masdar City


أكثر من مجرد شعار

يذكّر سلفرستين قراءه بأن عبارة "آخر برميل نفط"، التي أصبحت عنواناً لكتابه، لم تُبتكر داخل اجتماع للعلاقات العامة.

فالفكرة طُرحت قبل سنوات على لسان والد رئيس دولة الإمارات الحالي، في تعبير مبكر عن إدراك أن الثروة النفطية، مهما بدت هائلة، تبقى في نهاية المطاف مورداً قابلاً للنضوب.

ومن هذا الإدراك وُلدت "مصدر".

ففي 23 أبريل/نيسان 2006، أسس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الشركة عبر شركة مبادلة للاستثمار، بمهمة واضحة تقوم على تنويع اقتصاد دولة الإمارات وتسريع الانتشار العالمي للطاقة المتجددة.

وما يؤكد عليه سلفرستين، بوصفه محوراً رئيسياً في تحليله، هو أن هذا القرار لم يكن نتيجة ضغوط دولية أو رأي عام عالمي.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الدول المنتجة للنفط تواجه بعد مستوى التدقيق والضغوط الذي تواجهه اليوم بشأن سياساتها في مجال الطاقة.

بل كان القرار، في جوهره، خطوة استباقية؛ إذ بدأت أبوظبي بالاستعداد للمستقبل قبل أن تجبرها الظروف الخارجية على ذلك.

طريق لم يكن سهلاً

لا يعرض سلفرستين قصة "مصدر" باعتبارها مسيرة نجاح متواصلة من دون عثرات، وهو ما يمنح روايته قدراً أكبر من المصداقية.

فالشركة بدأت بمحطة واحدة للطاقة الشمسية مرتبطة بالشبكة الكهربائية في مدينة مصدر عام 2009، ثم مرت بسنوات من التطور الصعب قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز مطوري مشاريع الطاقة المتجددة في العالم.

ويقارن سلفرستين مسار "مصدر" بتجربة عملاق النفط "شل"، التي دخلت في مرحلة ما قطاع الطاقة النظيفة قبل أن تتراجع عنه بعد مدة قصيرة نسبياً.

وبحسب قراءة سلفرستين، فإن دخول "شل" الأولي إلى مجال الطاقة المتجددة لم يكن نابعاً بقدر كبير من التزام استراتيجي طويل الأمد، بقدر ما كان محاولة لتحسين الصورة العامة للشركة والاستجابة للقلق المتزايد بشأن التغير المناخي.

وهنا يظهر التباين بوضوح: شركة تراجعت عندما أصبح التحول أكثر صعوبة، وأخرى واصلت الاستثمار رغم العقبات.

وبالنسبة إلى سلفرستين، فإن هذا الإصرار هو ما يجعل "مصدر" أكثر من مجرد قصة نجاح لشركة، ويحولها إلى دراسة حالة مهمة في الاستراتيجية طويلة الأمد لقطاع الطاقة.

وتكشف الأرقام وحدها حجم المسافة التي قطعتها الشركة.

ففي عام 2018، بلغت محفظتها الدولية نحو أربعة جيجاواط، مع مشاريع موزعة بين دولة الإمارات والمملكة المتحدة وسيشل وإسبانيا وأسواق أخرى.

أما اليوم، وبعد عقدين على تأسيسها، فتتجاوز محفظة "مصدر" 65 جيجاواط موزعة على ست قارات، مع هدف معلن للوصول إلى 100 جيجاواط بحلول عام 2030.

Masdar’s capacity reaches 65GW
Masdar’s capacity reaches 65GW


والشركة مملوكة اليوم بصورة مشتركة لثلاث مؤسسات إماراتية كبرى هي "مبادلة" و"أدنوك" و"طاقة"، وتنشط في أكثر من 40 دولة حول العالم.

توسع بوتيرة جديدة

وما يلفت الانتباه بصورة خاصة خلال السنوات الأخيرة هو السرعة الكبيرة التي باتت تتوسع بها "مصدر".

ففي أبريل/نيسان، وقّعت الشركة اتفاقية ملزمة مع شركة "توتال إنرجي" الفرنسية لتأسيس مشروع مشترك بقيمة 2.2 مليار دولار، وبملكية مناصفة بنسبة 50% لكل طرف، يدمج أنشطة الشركتين في مجال الطاقة المتجددة البرية ضمن تسعة أسواق آسيوية هي: أذربيجان، وإندونيسيا، واليابان، وكازاخستان، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وأوزبكستان.

ومن المتوقع أن تضم الشراكة نحو ثلاثة جيجاواط من الأصول العاملة، إضافة إلى ستة جيجاواط أخرى في مراحل متقدمة من التطوير، على أن تدخل تلك المشاريع حيز التشغيل بحلول عام 2030.

وفي أفريقيا، ضاعفت "مصدر" حضورها ثلاث مرات، لتتجاوز قدرتها هناك ثلاثة جيجاواط، ضمن خطة أوسع للوصول إلى عشرة جيجاواط في القارة بحلول نهاية العقد.

ومن بين مشاريعها محطة "كيبونغو" للطاقة الشمسية في أنغولا بقدرة 150 ميغاواط، والتي يُتوقع أن توفر الكهرباء لنحو 300 ألف منزل وتخلق ما يقارب ألفي فرصة عمل.

وفي أبوظبي، تعمل "مصدر" مع شركة مياه وكهرباء الإمارات على أحد أكثر مشاريع الطاقة المتجددة المتكاملة طموحاً في العالم: محطة للطاقة الشمسية بقدرة 5.2 جيجاواط، مقترنة بمنظومة بطاريات لتخزين الطاقة بسعة 19 جيجاواط ساعة.

Masdar reaches financial close for world-first US$6.1 billion gigascale 24/7 clean energy project
Masdar reaches financial close for world-first US$6.1 billion gigascale 24/7 clean energy project


وقد صُمم النظام لتوفير جيجاواط واحد من الطاقة المتجددة الأساسية بصورة مستمرة وعلى مدار الساعة.

وهو، من جوانب كثيرة، تطبيق عملي للمعادلة التي يعتبرها سلفرستين أساس مستقبل قطاع الطاقة: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والتخزين الذكي للطاقة.

العالم يتحرك... وبعض الدول تتحرك بسرعة أكبر

لكن "مصدر" ليست سوى فصل واحد من القصة الأكبر التي يرويها سلفرستين: عالم يعيد رسم خريطة الطاقة لديه بوتيرة لم يكن كثير من الخبراء يتوقعونها قبل سنوات قليلة فقط.

فقد شكّلت الطاقة الشمسية وحدها نحو 8.8% من إجمالي توليد الكهرباء عالمياً في عام 2025، فيما بلغت حصة طاقة الرياح نحو 8.6%.

وبذلك، وفّر المصدران معاً ما يقرب من 17.4% من مزيج الكهرباء العالمي.

وسيتعين أن ترتفع هذه النسبة بصورة كبيرة بحلول عام 2030 إذا أراد العالم البقاء على مسار متوافق مع الأهداف طويلة الأمد للوصول إلى الحياد الكربوني.

وتتصدر الصين المشهد من حيث الحجم المطلق، كما يشير سلفرستين وتؤكد البيانات الأوسع.

ففي عام 2025، ولّدت الصين نحو 2,894 تيراواط ساعة من الكهرباء المتجددة، أي ما يقارب ثلث الإجمالي العالمي.

وخلال عام واحد فقط، أضافت نحو 315 جيجاواط من الطاقة الشمسية و118 جيجاواط من طاقة الرياح، وهي حصة ضخمة من إجمالي قدرات الطاقة المتجددة الجديدة التي أُضيفت عالمياً.

لكن هناك مفارقة مهمة.

فعلى الرغم من الحجم الهائل للتوسع الصيني في مجال الطاقة المتجددة، لا تزال الشمس والرياح تمثلان نحو خمس مزيج الكهرباء المحلي في البلاد فقط، فيما تواصل بكين الاعتماد بصورة كبيرة على الفحم.

أما عندما ننتقل من قياس الحجم المطلق إلى قياس نسبة الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة، فإن الدنمارك تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً.

ففي عام 2024، جاء نحو 88% من كهرباء الدنمارك من مصادر متجددة، فيما وفرت طاقة الرياح وحدها ما يقارب 58%.

Wind &  Solar
Wind & Solar


وتتجه البلاد نحو نظام كهربائي يعتمد على مصادر الطاقة المتجددة بدرجة أكبر بحلول عام 2030.

ويبدو هذا التحول أكثر إثارة للاهتمام إذا أخذنا في الاعتبار أن الدنمارك كانت تعتمد في السابق على النفط لتلبية ما يقارب 90% من احتياجاتها من الطاقة، ما يجعل تجربتها واحدة من أكثر عمليات إعادة تشكيل قطاع الطاقة الوطني جذرية في التاريخ الحديث.

وهناك دول أخرى تتحرك بسرعة كبيرة أيضاً.

فقد برزت أوروغواي وناميبيا وهولندا بين الدول التي اقتربت من تحقيق معدلات النمو المطلوبة للمرحلة المقبلة من التحول العالمي في مجال الطاقة، فيما سجلت ليتوانيا وتشيلي والأردن معدلات توسع تتجاوز المتوسطات التاريخية العالمية بفارق واضح.

أما إسبانيا، فقد وصلت إلى مرحلة باتت فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح توفران معاً نحو 43% من كهربائها.

وفي يونيو/حزيران 2025، أنهت أيرلندا اعتمادها على الفحم في توليد الكهرباء بصورة كاملة، بعد أن توسعت قدراتها من طاقة الرياح من 117 ميغاواط فقط في عام 2000 إلى أكثر من خمسة جيجاواط.

وهذا هو تحديداً ما يقصده سلفرستين حين يتحدث عن معادلة الطاقة الجديدة: الشمس، والرياح، والذكاء الاصطناعي، وهي تعمل معاً لإدارة عمليات التوليد والتخزين بكفاءة لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة فقط.

فعلى مدى عقود، لم تكن العقبة الرئيسية أمام الطاقة المتجددة هي القدرة على توليد الكهرباء، بل القدرة على تخزينها وضمان استمرار إمداداتها عندما لا تكون الشمس مشرقة ولا تكون الرياح قوية.

أما اليوم، فقد بدأ التعامل مع هذه المشكلة بصورة متزايدة من خلال أنظمة البطاريات واسعة النطاق، والشبكات الذكية، وأنظمة إدارة الطاقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتوضح مشاريع مثل منظومة التخزين الضخمة التي تطورها "مصدر" في أبوظبي مدى سرعة انتقال هذه الحلول من حيز النظرية إلى التطبيق الفعلي.

سلفرستين وترامب

لا يتجنب سلفرستين السياسة في تحليله.

فهو ينتقد بصورة صريحة توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو إعطاء أولوية أكبر للنفط والغاز والفحم، ويقارن ذلك بالسياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والتي شجعت الاستثمار في الطاقة النظيفة.

ويرى سلفرستين أن الاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية تتحرك في اتجاه مختلف عن التفضيلات السياسية للإدارة الأمريكية الحالية.

وبحسب تقييمه، فإن التحول نحو الطاقة النظيفة تجاوز مرحلة كونه مجرد قضية أيديولوجية أو بيئية.

فهذا التحول بات مدفوعاً بصورة متزايدة بعوامل اقتصادية، من بينها تراجع تكاليف التكنولوجيا، وتدفقات الاستثمار، ومتطلبات التنافسية في الأسواق.

ومن هذا المنظور، يرى سلفرستين أن الطاقة المتجددة لم تعد مجرد بديل بيئي، بل أصبحت خياراً تجارياً واقتصادياً أكثر جاذبية بحد ذاته.

وماذا عن العراق؟ فرصة لم تُستثمر بعد

وخلال مقابلته مع "كروس لاينز"، خصص سلفرستين مساحة مهمة للحديث عن العراق.

المقابلة كاملة مع الكاتب كين سلفرستين


ويرى أن على بغداد تخصيص جزء من إيراداتها النفطية للاستثمار في الطاقة النظيفة، التي يصفها بأنها أصبحت أقل كلفة بصورة متزايدة، وأكثر استدامة من الناحية البيئية، وقادرة على خلق فرص عمل حقيقية في اقتصاد لا يزال يعاني من محدودية التنويع.

ويشير إلى أن العراق يمتلك واحدة من أبرز المزايا الطبيعية في المنطقة: المناخ الجاف والمعدلات المرتفعة للغاية من الإشعاع الشمسي طوال معظم أيام السنة.

وهو ما يجعل البلاد في موقع مناسب للغاية للاستفادة من مشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق.

إلا أن هذه الميزة النسبية لا تزال مستغلة بدرجة محدودة.

ومن المرجح أن تتزايد أهميتها الاقتصادية مع تسارع الطلب العالمي على الطاقة النظيفة وتعمق دور الذكاء الاصطناعي في عمليات توليد الكهرباء وتخزينها وتوزيعها.

وبالنسبة إلى العراق، لم يعد السؤال إذاً ما إذا كانت الطاقة المتجددة ممكنة من الناحية التقنية.

بل أصبح السؤال هو ما إذا كانت البلاد قادرة على استخدام العائدات الناتجة من ثروتها النفطية الحالية لتمويل منظومة الطاقة التي ستحتاج إليها في المستقبل.

الاستعداد لعالم ما بعد النفط

في كتابه "آخر برميل نفط"، لا يكتفي كين سلفرستين بتوثيق النجاح التجاري لشركة إماراتية.

بل يقدم دراسة حالة عن الكيفية التي يمكن بها لدولة منتجة للنفط أن تبدأ الاستعداد لمستقبل ما بعد النفط قبل أن تضطرها الظروف إلى ذلك.

وتوضح قصة "مصدر" كيف يمكن لفكرة مكلفة ومحفوفة بعدم اليقين أن تتحول، خلال عقدين فقط، إلى واحدة من أكبر محافظ الطاقة النظيفة في العالم.

وبالاستناد إلى خبرته الطويلة في تغطية قطاع الطاقة لمجلة "فوربس"، ومعرفته الواسعة بالشرق الأوسط، والتي انعكست أيضاً في ظهوره في برنامج "كروس لاينز"، يقدم سلفرستين قراءة مفصلة لتحول في قطاع الطاقة بدأ بالفعل بإعادة تشكيل الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.

والخلاصة الأساسية واضحة:

ليس بالضرورة أن تقف الثروة النفطية في مواجهة التحول نحو الطاقة النظيفة.

بل يمكنها أن تموّله.

وبالنسبة إلى كل عاصمة نفطية تبحث عن موقع لها في اقتصاد الطاقة المستقبلي، تقدم "مصدر" نموذجاً يستحق الدراسة.

ولعل هذه الرسالة لا تبدو أكثر أهمية في أي مكان اليوم بقدر ما تبدو في بغداد.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته