مقالاتنا🌐 Available in English٢١ أيلول ٢٠٢٦

حين تلتقي الرقائق بالنماذج : بين إنفيديا وهاغينغ فيس .. صفقة الـ 13 مليار دولار وإعادة رسم خريطة القوة الرقمية

حين تلتقي الرقائق بالنماذج : بين إنفيديا وهاغينغ فيس .. صفقة الـ 13 مليار دولار وإعادة رسم خريطة القوة الرقمية
دعاء هزاع الجابري
دعاء هزاع الجابري
بقلم — كاتب CROSS LINES
في عالمنا الاقتصادي المتسارع اليوم هنالك صفقات لا تقاس بما دفع فيها بل بما كشف خلالها من خوف وطموح وسباق لا تريد القوى الكبرى أن تعلن نهايته قبل أن تبدأ ، فحين تضع " إنفيديا " شركة الرقائق ومعالجات الذكاء الاصطناعي نحو 13 مليار دولار للاستحواذ على " هاغينغ فيس " الشركة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي المفتوح ، فإن الرقم يبدو للوهلة الأولى وكأنه قيمة لشركة كبرى ذو مكانة ، لكن عند النظر إليه من زاوية أخرى فهو أقرب إلى ثمن موقع داخل مستقبل بأكمله ، حيث لم يعد المشهد يتعلق بشركة تقنية تشتري منصة " للذكاء الاصطناعي " بل بشيء أكثر تعقيدا ، وهو : شركة بنت جزءا هائلا من قوتها على الشرائح التي تمنح الآلات القدرة على الحساب ، وتقترب من منصة يعيش داخلها المطورون والنماذج والأدوات التي تمنح ذلك الحساب القدرة على التفكير والتطبيق والانتشار ليطرح السؤال بأبعاده الكبرى هنا : لماذا ارادت إنفيديا أن تشتريه الأن تحديدا ؟ ، لتاتي الأجابة بالتالي : لأن قواعد اللعبة قد تغيرت ، ففي بداية سباق الذكاء الاصطناعي كان العالم مأخوذا بفكرة النموذج الأقوى ، في من يملك النموذج الأكثر ذكاء والأكثر قدرة على الكتابة والتحليل والبرمجة ، حيث كان يبدو وكأنه يقترب من عرش المستقبل ، الا أن المستقبل لا يُحسم دائما عند قمة الهرم ، فأحيانا يحسم في الأسفل في البنية التي تجعل كل شيء ممكنا ، وفي الرقائق ومراكز البيانات والطاقة ، وفي تلك المساحات التي يلتقي فيها ملايين المطورين بالنماذج ويجربونها ويعدلونها ويعيدون تشكيلها ثم يدفعون بها إلى العالم ، وهنا تكمن أهمية " هاغينغ فيس " ، فالقضية ليست أن المنصة تمتلك نماذج كثيرة متعددة بل أنها أصبحت جزءا من النسيج الذي يتحرك من خلاله الذكاء الاصطناعي المفتوح ، ومن يملك النسيج لا يملك بالضرورة كل الخيوط لكنه يصبح قريبا جدا من معرفة اتجاه حركة النسيج ذاته ، وهذا هو البعد الذي يجعل الصفقة أكبر من مجرد خبر اقتصادي ان " إنفيديا " اليوم لم تعد تقف فقط عند باب الآلة فقد اصبحت تقترب من الباب الذي يقف خلف الآلة ، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يبيع أدوات المستقبل ومن يحاول أن يكون حاضرا في الطريقة التي سيُصنع بها ذلك المستقبل ، وعندما يطرح السؤال عن أهمية هذه اللحظة تحديدا لمثل هكذا خطوة ! تكون الأجابة في عمق المعنى ذاته وهو ان الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل مرحلة لا تكفي فيها القوة التقنية وحدها ، حيث هناك سباق آخر يجري في الظل ، وهو " سباق السيطرة على منظومة الذكاء الاصطناعي قبل أن تستقر موازينها " ، فالشركات الكبرى تريد شرائحها ، نماذجها ، مراكز بياناتها ، منصاتها ، ومجتمعات المطورين التي ستصنع الجيل القادم من التطبيقات ، وكل طرف من ذلك يحاول أن يحجز لنفسه موقعا قبل أن تتحول هذه العناصر من أسواق مفتوحة إلى بنى يصعب تغيير موازينها لتظهر أوروبا هنا في منتصف الصورة تماما ، قارة تريد أن تتحدث عن السيادة الرقمية وعن امتلاك قرارها التكنولوجي وعن ألا تصبح مجرد مستخدم لما تصنعه القوى الأخرى ، لكن المفارقة في ذلك أن جزءا كبيرا من البيئة التي يمكن أن تساعدها في بناء هذه السيادة بات في طريقه إلى " ملكية أمريكية " وهذه ليست مفارقة صغيرة ، لأن السيادة الرقمية لا تعني فقط أن تمتلك القوانين التي تنظم التكنولوجيا بل أن تمتلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا وتشغيلها وتطويرها دون أن يصبح مفتاحها خارج حدودك ، ومن هنا تصبح الصفقة ذاتها سؤالا أوروبيا أيضا ، ب : هل يمكن لأوروبا أن تستخدم القوة الأمريكية لبناء قوتها الخاصة؟ أم أن الاعتماد على هذه القوة سيجعلها أكثر ارتباطا بها؟ ، ان الأجابة عن هذا السؤال يظهر بأن الاحتمالان موجودان وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من فكرة رابح وخاسر فإنفيديا تستطيع أن تمنح " هاغينغ فيس " موارد هائلة ، وقد يؤدي ذلك إلى تسريع الابتكار والنماذج المفتوحة وتوسيع قدرات المطورين ، لكن في الجهة الأخرى فإن امتلاك واحدة من أهم بوابات الذكاء المفتوح يمنح إنفيديا موقعا أكثر عمقا داخل منظومة لم تكن في الأصل مجرد سوق لشرائحها ، وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تظهر في البيانات الرسمية ، في : ماذا يعني أن تقترب الشركة التي تمتلك جزءا أساسيا من القوة الحاسوبية من الشركة التي تقف وسط مجتمع النماذج المفتوحة؟ ، وماذا يحدث عندما تقترب الشريحة من النموذج؟ وعندما يقترب النموذج من المطور؟ والمطور من المنصة؟ ، قد لا تكون هناك إجابة واحدة الآن إلا أن التاريخ التقني يعلمنا أن القوة لا تظهر دائما لحظة امتلاك شيء واحد بل لحظة ارتباط أشياء كثيرة ببعضها ، ولهذا فإن أخطر ما في الصفقة ليس المال بل " الاتجاه " إنها إشارة إلى أن المرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي قد لا تكون معركة حول من يملك النموذج الأكثر شهرة ، وإنما حول من يستطيع أن يقترب من كل الطبقات التي تجعل النموذج ممكنا وقابلا للانتشار ، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من ثورة تقنية ، يصبح مسألة " قوة ، استقلال ، أمن ، ومستقبل " ، فالذين يملكون النفط في زمن الطاقة لا يشبهون الذين يملكون البيانات في زمن الخوارزمية ، والذين يملكون الموانئ في زمن التجارة لا يشبهون الذين يملكون ممرات التكنولوجيا في زمن الذكاء الاصطناعي ، فلقد تغيرت الجغرافيا ولم تعد الخريطة وحدها هي التي تحدد موقع القوة ، حيث أصبح هناك خريطة أخرى لا تُرى ، وهي " خريطة الشرائح ، الخوادم ، النماذج ، البيانات ، والمنصات " ، ولهذا السبب تحديدا يجب ألا نقرأ صفقة " إنفيديا و هاغينغ فيس " باعتبارها نهاية قصة ، فقد تكون علامة على بداية مرحلة يصبح فيها السؤال الأخطر : من يملك الذكاء الاصطناعي؟ وفي عمق السؤال ذاته سؤال اخر أكثر خطورة ، وهو : من يملك الطريق الذي يسلكه الذكاء الاصطناعي حتى يصل إلى العالم ؟ .

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته