مقالاتنا🌐 Available in English١٥ أيلول ٢٠٢٦

من الداخل إلى الخارج.. العراق يوسع معركة مكافحة الفساد نحو المطلوبين والأموال المهربة

من الداخل إلى الخارج.. العراق يوسع معركة مكافحة الفساد نحو المطلوبين والأموال المهربة
محمد العكيلي
محمد العكيلي
بقلم — كاتب CROSS LINES

المقال يتحدث عن الجزء المتعلق بحملة مكافحة الفساد، ضمن جولة رئيس الوزراء علي الزيدي الأوروبية وإمكانية فتحها مسارا جديدا للتعاون الدولي في ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال العراقية المنهوبة.

لم تعد حملة مكافحة الفساد في العراق محصورة بالتحقيقات الداخلية أو ملاحقة المتهمين الموجودين داخل البلاد، إذ بدأت الحكومة العراقية توسيع دائرة تحركها باتجاه الخارج، مستفيدة من العلاقات الدولية والاتفاقيات القانونية وقنوات التعاون الأمني والقضائي لملاحقة المطلوبين واسترداد الأموال والأصول التي خرجت من العراق نتيجة جرائم الفساد.

وظهر هذا التوجه بصورة واضحة خلال جولة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي الأوروبية إلى فرنسا وألمانيا، التي لم تقتصر مخرجاتها على الملفات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، بل شهدت تحركات مرتبطة بمكافحة الفساد واسترداد الأموال وملاحقة المطلوبين خارج الحدود.

وفي هذا السياق، أجرى رئيس هيئة النزاهة الاتحادية محمد علي اللامي، وهو عضو ضمن الوفد الحكومي المرافق لرئيس الوزراء، لقاءات في العاصمة الفرنسية باريس مع مسؤولين في الوكالة الفرنسية لمكافحة الفساد، ووكالة استرداد الموجودات، وممثلين عن وزارة العدل الفرنسية، إلى جانب لقاء مع رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول".

ملاحقة خارج الحدود

أهمية هذه اللقاءات لا ترتبط بأسماء الجهات المشاركة فيها بقدر ارتباطها بطبيعة الملفات التي طرحت خلالها، وفي مقدمتها تعقب المطلوبين بقضايا الفساد، والوصول إلى الأموال والأصول الموجودة خارج العراق، وتسريع تبادل المعلومات والوثائق المطلوبة لإنجاز إجراءات الملاحقة والاسترداد.
ومن هنا، تبدو التحركات العراقية الأخيرة محاولة لنقل حملة مكافحة الفساد إلى مستوى جديد، يقوم على عدم الاكتفاء بإصدار أوامر القبض أو الأحكام داخل العراق، وإنما متابعة المتهم والأموال المرتبطة بالقضية أينما انتقلت، وصولا إلى استردادها وفق القوانين والاتفاقيات الدولية.

الإنتربول يدخل على خط الملاحقة

أحد أبرز المسارات التي ركزت عليها التحركات العراقية يتعلق بتوسيع التعاون مع الإنتربول، لما تمتلكه المنظمة من أدوات تساعد الدول في ملاحقة المطلوبين وتبادل المعلومات وتحديد أماكن وجودهم.

وبحث الجانب العراقي مع رئيس الإنتربول آليات تطوير التنسيق بشأن الأشخاص المطلوبين بقضايا الفساد، وتسريع تبادل البيانات المتعلقة بهم، وتفعيل نقاط الاتصال المباشر بما يقلل من الوقت الذي قد تستغرقه المخاطبات التقليدية بين المؤسسات.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل لجوء بعض المطلوبين إلى الانتقال بين أكثر من دولة، أو الاستفادة من إقامات وجنسيات أجنبية، أو محاولة الاستفادة من الاختلافات بين التشريعات الوطنية لعرقلة إجراءات تسليمهم.

المسار الثاني في التحرك العراقي يتعلق بالأموال والأصول المهربة، وهو ملف قد يكون أكثر تعقيدا من استعادة المطلوب نفسه.
فالأموال المتحصلة من جرائم الفساد قد تنتقل عبر عدة حسابات مصرفية، أو تتحول إلى عقارات وشركات واستثمارات وأصول مختلفة، وقد تمر بأكثر من دولة قبل الوصول إلى وجهتها النهائية، وهو ما يجعل عملية تعقبها بحاجة إلى تحقيقات مالية متخصصة وتعاون بين الأجهزة المصرفية والقضائية والرقابية.
وخلال المباحثات في فرنسا، جرى بحث تعزيز التعاون في تتبع الأموال والأصول وتجميدها وحجزها ومصادرتها واستردادها
لماذا فرنسا؟
وجود فرنسا ضمن هذا المسار يمنح الملف بعدا عمليا، بالنظر إلى امتلاكها مؤسسات متخصصة في مكافحة الفساد واسترداد الموجودات، فضلا عن منظومة قانونية وقضائية يمكن للعراق أن يستفيد من خبراتها في بناء الملفات المطلوبة دوليا.
حملة داخلية بامتداد دولي
التحرك الخارجي يأتي في وقت تتجه فيه الحكومة العراقية إلى توسيع حملتها الداخلية ضد الفساد، ما يجعل ملف الملاحقة الدولية امتدادا طبيعيا لهذه الحملة.
فكلما زادت عمليات التحقيق والاعتقال وكشف الملفات داخليا، يزداد احتمال محاولة بعض المتورطين مغادرة البلاد أو نقل أموالهم إلى الخارج، وهو ما يفرض على المؤسسات العراقية أن تكون لديها قدرة موازية على التحرك خارج الحدود.

اختبارات صعبة أمام المسار الجديد
لكن هذا التوجه سيواجه عدة اختبارات، أولها قدرة المؤسسات العراقية على إعداد ملفات قانونية قوية ومتكاملة يمكن تقديمها إلى الدول الأجنبية من دون ثغرات تؤدي إلى رفض طلبات التسليم أو الاسترداد.
أما الاختبار الثاني فيرتبط بسرعة تبادل المعلومات بين المؤسسات العراقية نفسها، لأن أي تأخير في جمع الوثائق أو تضارب في البيانات قد ينعكس على مسار القضية خارج البلاد.
ويتمثل الاختبار الثالث في ضرورة الفصل بين الملاحقة الجنائية والخلافات السياسية، خصوصا أن بعض المطلوبين قد يحاولون تقديم قضاياهم أمام الدول التي يقيمون فيها على أنها ذات دوافع سياسية

ما بعد الجولة الأوروبية
المهم في مخرجات جولة الزيدي الأوروبية لن يكون عدد الاجتماعات التي عقدت، وإنما ما إذا كانت ستتحول إلى آليات تعاون دائمة ومباشرة بين العراق والجهات الدولية المختصة.
فإنشاء قنوات فعالة مع الإنتربول والمؤسسات الفرنسية المعنية بمكافحة الفساد واسترداد الموجودات يمكن أن يمنح بغداد أدوات إضافية في ملفات ظلت لسنوات تواجه صعوبة عند وصولها إلى الحدود الدولية.

المعركة الحقيقية في النتائج
لحملة يحتاج إلى استعادة مطلوبين، وتجميد أموال، واسترداد أصول، وتنفيذ أحكام قضائية، وإغلاق المسارات التي تسمح بنقل الأموال غير المشروعة إلى الخارج.
وفي حال تمكنت الحكومة من تحقيق نتائج ملموسة في هذه الملفات، فإن حملة مكافحة الفساد ستكون قد انتقلت فعليا إلى مرحلة مختلفة، تقوم على ملاحقة الفاسد داخل العراق وخارجه، وعلى اعتبار أن مغادرة البلاد أو نقل الأموال إلى دولة أخرى لا يعني انتهاء القضية.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته