مقالاتناAvailable in English

مضيق هرمز.. الجغرافيا تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط

المعالجة
ترجمة وتحرير Cross Lines
المصدر
CROSS LINES
مضيق هرمز.. الجغرافيا تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط
وفاء الفتلاوي
وفاء الفتلاوي
بقلم — كاتب CROSS LINES
ليست كل المواقع الجغرافية متساوية في قدرتها على التأثير في السياسة الدولية، فبعضها يتجاوز حدود المكان ليصبح عاملا في تحديد موازين القوة ومصالح الدول. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه المواقع، بوصفه نقطة عبور حيوية للطاقة والتجارة العالمية، وموقعا تتقاطع عنده حسابات الأمن الخليجي والطموحات الإيرانية ومصالح القوى الكبرى.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة التوترات المحيطة بالمضيق باعتبارها خلافات على ممر بحري فحسب، بل بوصفها جزءا من تحولات أوسع تعيد تحديد النفوذ والتحالفات وأولويات الأمن في الشرق الأوسط.
تنبع الأهمية الاستراتيجية لهرمز من موقعه الذي يصل الخليج بخليج عمان وبحر العرب، بين إيران شمالا وسلطنة عمان جنوبا ويبلغ عرضه نحو تسعة وثلاثين كيلومترا في أضيق نقطة، فيما تمر السفن التجارية عبر مسارات ملاحية محددة، ما يجعل أمن العبور مرتبطا بمساحة محدودة ذات تأثير عالمي واسع.
وتظهر الأرقام حجم هذه الأهمية؛ إذ بلغ متوسط تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق نحو عشرين مليون برميل يوميا خلال عام ألفين وخمسة وعشرين، وفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية. كما يمر عبره جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الصادرات القطرية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب مستمر فيه عاملا مؤثرا في أسواق الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.
ولا تنحصر أهمية المضيق في حجم التدفقات التي تمر عبره، بل في صعوبة تعويضها بسرعة. فالسعودية تمتلك خط الشرق–الغرب لنقل النفط إلى البحر الأحمر، فيما يوفر خط أبوظبي–الفجيرة للإمارات منفذا إلى خليج عُمان بعيدا عن المرور داخل المضيق. غير أن هذه البدائل لا تستطيع بالضرورة تعويض جميع الكميات المتأثرة، ما يجعل استمرار الملاحة مصلحة تتجاوز الدول المطلة على الخليج.
وفي هذه المعادلة، تمتلك إيران موقعا جغرافيا يمنحها قدرة على التأثير في حسابات الأمن البحري، لكن استخدام هذه الورقة يظل محكوما بتكاليف اقتصادية وسياسية. فأي اضطراب واسع في الملاحة لا يضغط على المنافسين وحدهم، بل يهدد حركة التجارة وصادرات المنطقة، وقد يدفع قوى دولية إلى تعزيز حضورها أو إعادة ترتيب سياساتها الأمنية.
وتتجلى آثار هذه المعادلة بالنسبة إلى العراق أيضا، الذي تعتمد صادراته النفطية البحرية بدرجة كبيرة على موانئه الجنوبية المطلة على الخليج. فأي اضطراب في الملاحة يمكن أن يؤثر في تدفق الصادرات، ومن ثم في الإيرادات العامة، ما يجعل استقرار هرمز جزءا من الحسابات الاقتصادية العراقية، حتى عندما لا يكون العراق طرفا مباشرا في التوترات المحيطة به.
إن إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بفعل هرمز لا تعني بالضرورة تغيير الحدود السياسية، بل إعادة توزيع الأهمية الاستراتيجية والقدرة على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية. فالدول التي تمتلك بدائل عملية وتحسن إدارة علاقاتها الخارجية تكون أقدر على احتواء الصدمات، بينما تجد الدول الأكثر اعتمادا على الممرات المحدودة نفسها أمام خيارات أصعب
وفي النهاية، لا تمنح الجغرافيا صاحبها انتصارا تلقائيا، لكنها تضع بين يديه أدوات يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة أو عبء. وسيبقى مستقبل مضيق هرمز مرتبطا بقدرة الأطراف المعنية على الموازنة بين الردع والتفاوض، وبين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الدولي. فالمضيق الذي يربط الخليج بالعالم لا يعيد تشكيل المنطقة بالمياه وحدها، بل بما يفرضه من مراجعة لمفاهيم الأمن والتحالف والسيادة الاقتصادية.

شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته