السعودية بين خيارات عسيرة مع تقدم الحوثيين في اليمن
DW World
D
DW World
المصدر الأصلي
تواجه السعودية ضغوطاً متزايدة من الحوثيين الذين يسيطرون على مناطق استراتيجية في اليمن ويهددون الملاحة البحرية والاقتصاد السعودي. يحاول الرياض الموازنة بين الرد العسكري والمفاوضات لتجنب حرب مرهقة أخرى.
تشهد السعودية تصعيداً سريعاً للأوضاع عبر حدودها الجنوبية في اليمن، حيث يقاتل الحوثيون المدعومون من إيران قوات الحكومة اليمنية بدعم سعودي.
أسفرت هجمات حوثية على السعودية ليل الاثنين عن إصابة 13 شخصاً آخرين، ليرتفع إجمالي عدد الجرحى منذ تصعيد النزاع في يوليو إلى حوالي مئة شخص.
في يوليو أيضاً، حاصر الحوثيون الشحنات النفطية السعودية في مضيق باب المندب، الممر المائي الحيوي الذي كان بمثابة طريق بديل لصادرات النفط السعودي وسط حصار إيراني على مضيق هرمز القريب.
الأسبوع الماضي، استهدفت ما يُزعم أنها ميليشيات إيرانية في العراق خط الأنابيب الشرق-الغرب، الذي يمثل شريان الحياة البديل للصادرات النفطية السعودية. أعلنت السلطات الثلاثاء أن إصلاح الأضرار قد يستغرق أسابيع. يمتد الخط عبر 1200 كيلومتر (745 ميلاً) عبر البلاد وينتهي عند ميناء ينبع على البحر الأحمر.
"الرياض تواجه معضلة حقيقية"، قال نيل كويليام، الزميل الباحث ببرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس بلندن، لـ DW. وأضاف: "ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يحاول حماية الأمن السعودي والتنمية الاقتصادية معاً"، متابعاً: "والمشكلة أن الحوثيين أصبحوا قادرين بشكل متزايد على تهديد كليهما".
**السعودية تسعى للموازنة بين الردع والدبلوماسية**
تمتلك السعودية واحدة من أكثر القوات العسكرية تسليحاً وتطوراً تكنولوجياً في الشرق الأوسط، خاصة في مجالي الطيران القتالي والدفاع الجوي.
لكن البلاد "تحجم عن الانجرار مجدداً إلى حملة عسكرية مكلفة في اليمن"، بحسب كويليام.
تدخلت تحالف بقيادة سعودية في اليمن عام 2015 لدعم الحكومة في قتالها ضد الحوثيين. وبعد سبع سنوات من الحرب الشرسة بين الحوثيين والحكومة بدعم سعودي، خفت وتيرة القتال في 2022 بموجب هدنة برعاية الأمم المتحدة.
تستهدف الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية والحكومة المدعومة سعودياً الضغط على الرياض لرفع الحصار البري والبحري على الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، وهو حصار لم يتم رفعه بالكامل رغم الهدنة في 2022.
"السعودية الآن في وضع معقد جداً"، قال سيباستيان سونز، الباحث بشؤون الشرق الأوسط بمركز البحوث الألماني CARPO.
"من جهة، تحتاج إلى إيضاح أن الحوثيين عبروا خطاً أحمر وأنه يجب أيضاً أن تكون هناك رد عسكري، خاصة بالتنسيق مع حكومة اليمن المعترف بها دولياً.
"ومن جهة أخرى، تحتاج أيضاً إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة للعودة إلى طاولة المفاوضات والتخفيف من التصعيد".
برأي سونز، تسعى الرياض للموازنة بين الردع والدبلوماسية. قال: "الحجة واضحة جداً"، مضيفاً: "الحوثيون ليسوا تهديداً للسعودية فحسب بل للاقتصاد العالمي برمته".
عقب التقدم الحوثي في جنوب اليمن الأسبوع الماضي، بما فيه السيطرة على مدن ساحلية وجزيرة بريم في مضيق باب المندب، أصبح المتمردون الآن قادرين على فرض ضغط أكبر على الإمدادات النفطية العالمية.
قد تضيف هذه الاستراتيجية المزيد من النفوذ لإيران في حربها مع الولايات المتحدة.
وفقاً لشركة Kpler للبيانات والتحليلات البحرية، عبرت 21 سفينة شحن فقط مضيق باب المندب يوم الاثنين. وقبل الأزمة، كان الممر المائي الضيق يستقبل حوالي 30 في المئة من حركة الحاويات العالمية.
**مستوى جديد من الضعف**
"الصراع الحالي يكشف عن مستوى جديد من الضعف لدى السعودية"، قال كويليام من تشاتام هاوس. "وهي تتعرض للاختبار من كل الاتجاهات".
رغم أن السعودية حليف أمريكي وثيق، أخبرت ثلاث مصادر وكالة رويترز أن محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، اتصل بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس الماضي طالباً مساعدة عسكرية لمواجهة الحوثيين المتقدمين.
قالت المصادر إنه اكتفي بعرض دعم استخباراتي في الوقت الراهن، حيث تردد ترامب عن الانضمام إلى جبهة أخرى في الحرب الأمريكية الجارية ضد إيران.
اتفاق الدفاع المشترك بمكة الموقع مؤخراً بين السعودية وتركيا وباكستان لم يتم تفعيله حتى الآن. حتى الآن، كانت باكستان، وهي حليفة لإيران ووسيط في الحرب الأمريكية الجارية ضد إيران، متحفظة على الانضمام المباشر إلى النزاع بين السعودية والحوثيين.
"الطابع الذي لم يختبر بعد لاتفاق مكة يزيد من تحديات السعودية"، قال كويليام.
**قمع السعودية للمعارضة**
في الوقت نفسه، يواجه ولي العهد محمد بن سلمان ضغوطاً محلية متزايدة.
"الناس يتوقعون التقدم الاقتصادي"، قال سونز لـ DW. بالنسبة لسكان السعودية، يعني هذا "الإسكان الميسور والوظائف والحماية من الهجمات الإضافية من اليمن".
علاوة على ذلك، تحتاج السعودية إلى استقرار لمواصلة تنفيذ رؤيتها 2030 الإصلاحية المكلفة. يهدف برنامج التنويع الشامل إلى تقليل اعتماد المملكة على النفط وتحويل الاقتصاد والمجتمع، لكن الاستثمارات الأجنبية والسياحة وثقة المستثمرين تعتمد جميعها على حالة أمنية مستقرة، وفقاً لكويليام.
الفعاليات الكبرى المخطط لها الأخرى في السعودية، مثل إكسبو 2030 و كأس العالم 2034، تعتمد أيضاً على الاستقرار الجيوسياسي.
في المقابل، مع تزايد التهديدات الأمنية وتراكم الضغوط الاقتصادية، يقول راقبو حقوق الإنسان إن السلطات السعودية أصبحت حساسة بشكل متزايد تجاه الانتقادات لتعاملها مع الأزمة.
"منذ وصول محمد بن سلمان إلى السلطة، حدث تضييق قوي على حرية التعبير، خاصة فيما يتعلق بالانتقاد من السياسة الخارجية السعودية"، قال يحيى العسيري، مؤسس منظمة ALQST السعودية لحقوق الإنسان بمقرها في لندن، لـ DW.
"يتم التعامل بقسوة مع الناقدين والأفراد الذين يدعون للسلام"، قال، مشيراً إلى أن الأشخاص يُتهمون بموجب قوانين مكافحة الإرهاب وُحكم عليهم بسجن لفترات طويلة أو حتى بالإعدام لأفعال غير عنيفة.
في عام 2025، نفذت السعودية 356 إعداماً على الأقل، وهو أعلى رقم سنوي سُجل من قبل ALQST.
هذا الأسبوع، حذرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان من أن السلطات السعودية أعدمت 154 شخصاً على الأقل بين يناير وسبتمبر 2026. من بين 154 إعداماً، تم تنفيذ 101 بتهمة جرائم متعلقة بالمخدرات بينما تم تنفيذ تسعة إعدامات بتهم "متعلقة بالإرهاب، وهي، وفقاً للتعريف الغامض وغير المحدد بدقة بموجب القانون السعودي، يمكن أن تشمل مجموعة واسعة من الأفعال غير المميتة"، بحسب التقرير.