بيل غيتس: الذكاء الاصطناعي قد يعمّق الفجوات أو يُقلّصها
The Telegraph
T
The Telegraph
المصدر الأصلي
أعلن مؤسس مايكروسوفت السابق بيل غيتس عن استثمار بمليار دولار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن هذه التكنولوجيا قد تعمّق الفجوات بين الدول الغنية والفقيرة إن لم تُطبّق بعدالة. وأكد أن على الأنظمة الذكية أن تتعلم مئات اللغات والعادات المختلفة لتخدم العالم بمساواة.
التكنولوجيات الجديدة تحمل في طياتها تهديدات وفرصاً، والذكاء الاصطناعي لن يكون استثناءً. فبينما تتصدر التحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على البشرية عناوين الأنباء حول العالم، فإن هذه التقنية تحمل أيضاً آفاقاً لجعل حياتنا أطول وأصحّ وأكثر ازدهاراً بلا حدود.
كلا الاحتمالين يمكن أن يتحقق معاً. فالثورة الصناعية بشّرت بعصر من الصحة والرفاهية لم يخطر على بال من سبقوها، حيث تضاعفت متوسطات الأعمار عالمياً وانخفضت الوفيات من سوء التغذية والأمراض المعدية بشكل حاد. لكن الصناعة أيضاً أنهت الحياة الريفية الهادئة في الغرب وأجبرت ملايين على حياة العمل الشاق المتكرر في الأحياء الفقيرة. وأفرزت حربين عالميتين والمحرقة، فيما أوصلتنا الطاقة النووية إلى حافة الإبادة أكثر من مرة.
يتنبأ كثيرون الآن بأن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تغييراً بنفس عمق تلك التحولات، لكن في وقت أقصر بكثير، يُقاس بالسنوات لا بالعقود أو القرون.
في هذا السياق أعلن مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس الثلاثاء استثماراً بقيمة مليار دولار في الذكاء الاصطناعي "لمساعدة بناء وتوصيل تطبيقات ذكاء اصطناعي منصفة تحسّن من الصحة والفرص".
يأتي هذا الإعلان مع انطلاق مؤسسة غيتس لتقريرها السنوي العاشر "حراس الأهداف"، الذي يتابع تقدم العالم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
"عشت موجات تغيير بدت لي، لحظتها، كأنها الأمر الأكثر أهمية على وجه الأرض، لكن لا شيء أثار شعوري مثل هذا" قال غيتس في مقال شرح فيه استثماره.
"الذكاء الاصطناعي مختلف: تقنية تتحرك بسرعة أكبر وتصل إلى عدد أكبر من الناس من أي شيء قبله. لهذا السبب، لا أحد يعرف بدقة كيف ستبدو الحال حتى بعد خمس أو عشر سنوات، بما فيهم أنا".
الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة فعلاً في التنمية العالمية بطرق متعددة. في الطب، تُسارع تقنيات التصوير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتحليل الصور من التشخيص بدقة وبتكلفة أقل وسرعة أكبر، من الكسور إلى الأورام السرطانية.
في الصيدلة، فتحت بابا جديداً لاكتشاف الجزيئات—الأول منذ ظهور المضادات الحيوية—وأدوية خاصة ليس فقط بأمراض معينة أو حالات معينة، بل بالحمض النووي للمريض نفسه.
في التعليم، تمكّن المعلمين من تحديد احتياجات التعلم الفردية لكل طالب، وتوفر لهؤلاء الطلاب إمكانية وصول إلى معارف كانت لا تُتصور قبل خمسين سنة.
الهدف الأصلي لشركة غوغل عام 1998 "تنظيم معلومات العالم وجعلها متاحة ومفيدة للجميع" أصبح واقعاً الآن لأي شخص يملك هاتفاً ذكياً واتصالاً بالإنترنت والتعليم الكافي للاستفادة منه.
في الزراعة، التي ظلت تاريخياً أكبر محرّك للصحة العامة، يُحدث الذكاء الاصطناعي وتقنياته تغييرات جذرية. التنبؤ بالطقس تحول من فن إلى علم، والآليات الحديثة تعمل بشكل مستقل في كثير من المزارع الغربية، والهندسة الوراثية تطور محاصيل أكثر إنتاجية وقدرة على الصمود.
لكن بالنسبة لمتابعي أهداف التنمية المستدامة، الخوف يكمن في أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تترك كثيرين خلفها، معمّقة الفجوات بين الدول. هذه ليست فقط معضلة أخلاقية بل عملية أيضاً، قد تفجّر حقبة جديدة من السخط والنزاع والهجرات المزعزعة للاستقرار ما لم تُعالج.
"الذكاء الاصطناعي قد يكون معادلاً عظيماً، أو قد يعمّق الفجوة" يقول غيتس. "هذا ليس تنبؤاً بعيد المدى. إنها خيار يجري أمامنا الآن".
"يمكننا تسخير الذكاء الاصطناعي للخير. لكن هذا لن يحدث بالمصادفة. فالسوق محرّك استثنائي للابتكار، لكنه ضمان سيء جداً للفرص المتساوية.
"مع الذكاء الاصطناعي، قد تتسع الفجوة أسرع بكثير... هذا ما يجعل هذه اللحظة حاسمة جداً. الأمور تتغير بسرعة، والنافذة لتحديد من سيستفيد من الذكاء الاصطناعي وكم سيستغرق ذلك ضيقة جداً".
القضية الأساسية التي تعيق نشر الذكاء الاصطناعي في الدول النامية تدور حول توفر البيانات المحلية، وبالتالي قدرة التكنولوجيا على التوسع في بيئات مختلفة جذرياً عن البيئات التي طُورت فيها. الدول الغنية والشركات الكبرى في الغرب لديها إمكانية وصول لا تُقدّر بثمن إلى كميات ضخمة من البيانات الموثقة بعناية، بينما الدول الفقيرة والمناطق النامية تفتقر إلى هذا الكنز الثمين.
علاوة على ذلك، معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية مصممة لتعمل باللغات الغربية الرئيسة، خاصة الإنجليزية. لقاح جديد، أو محصول معدّل وراثياً، أو نموذج تشخيص طبي قد يكون مفيداً عملياً في إفريقيا أو جنوب آسيا، لكن إذا كانت الواجهة بالإنجليزية فقط فإن فائدته تقتصر على الأقلية القليلة التي تتحدثها.
هذا هو السبب في أن استثمار غيتس يركز على بناء ما يسميه "الذكاء الاصطناعي المحلي"، الذي يتعلم اللغات والعادات المختلفة ويطبق الحلول بطرق تناسب السياقات المحلية. إنه يدرك أن اللغة والثقافة ليست عوائق تقنية فحسب بل معايير للحقوق الأساسية والعدل.
"إذا كنا نريد لهذا أن ينجح، فعلينا أن نفكر بجدية في كيفية جعل الذكاء الاصطناعي متاحاً وذا معنى لملايين الأشخاص الذين يتحدثون لغات لم يُدرب عليها الذكاء الاصطناعي الحالي" قالت أحدى المسؤولات في مؤسسة غيتس.
المسألة أعمق من مجرد الترجمة التقنية. الذكاء الاصطناعي المُدرب بشكل رئيس على بيانات من المجتمعات الغربية قد يُكرّس التحيزات والافتراضات الغربية. نموذج للتنبؤ بالأمراض مثلاً قد لا يعمل بالتساوي لجميع المجموعات العرقية إذا تم تدريبه فقط على السكان البيض. وهكذا فإن نشر الذكاء الاصطناعي بدون معالجة هذه المسائل قد لا يوسّع العدالة بل قد يعمّقها.
في تقريره السنوي، تحذر مؤسسة غيتس من أن العالم متخلف عن جدول أعماله في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. منذ إطلاق الأهداف عام 2015، تباطأ التقدم، خاصة في مكافحة الفقر والجوع والمرض في أفريقيا وجنوب آسيا.
إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعكس هذا المسار، فيمكنه أن يحدث فرقاً هائلاً. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية وعمل متضافر بين الحكومات والشركات والمنظمات الدولية.
"هذا ليس فقط مسألة تقنية" كما يؤكد غيتس. "إنها مسألة اختيار. نحن نختار ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون أداة للعدالة أم للاستبعاد".