يسلط هذا المقال الضوء على أهمية مضيق باب المندب، مستعرضاً كيف تحول الساحل الغربي لليمن إلى مسرح لمواجهة كبرى تعيد رسم خريطة السيطرة على الممرات المائية من قبل القوى المعادية للهيمنة الغربية.
لم تعد التطورات المتسارعة في البحر الأحمر مجرد جولة جديدة من الصراع المحلّي في اليمن، بل غدت رقماً صعباً في معادلة التنافس الجيوسياسي الأوسع بين واشنطن وطهران. وفي وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها على الممرات البحرية وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، تأتي التحركات الإيرانية وحلفاؤها لتوجيه ضربة استراتيجية لسياسة الردع الغربية، إن ربط قوة طهران في مضيق هرمز بالتحركات الميدانية عند مضيق باب المندب يعكس استراتيجية إيرانية متكاملة لإعادة تشكيل خريطة القوة في الشرق الأوسط، وتحويل الممرات المائية الدولية إلى أوراق ضغط رئيسية لإرغام واشنطن على إعادة النظر في عقوباتها وحضورها العسكري في المنطقة.
سيطرة ميدانية مكثفة على الساحل الغربي حققت القوات الحوثية تقدماً ميدانياً بارزاً خلال الأيام الأخيرة عبر السيطرة على مواقع حيوية في الساحل الغربي لليمن ومحيط مضيق باب المندب، وشملت هذه التطورات السيطرة على مدينة وميناء المخا وجزر حنيش الاستراتيجية، وصولاً إلى بلدة ذُو باب الساحلية وجزيرة ميون التي تقع في قلب المضيق ، بالتوازي مع تأمين طرق إمداد ومناطق رئيسية في محافظة تعز الممتدة باتجاه الساحل.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب تأتي أهمية هذه السيطرة الميدانية من الموقع المحوري لمضيق باب المندب، الذي يفصل اليمن عن جيبوتي وإريتريا ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، مشكلاً الشريان الرئيسي للتجارة البحرية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، حيث يمر عبر المضيق نحو 12% من إجمالي حركة البضائع التجارية عالمياً، و يعبر المضيق ما يقارب 7% من الإنتاج العالمي للنفط والغاز وفق بيانات معتمدة عالميا ، بينما ازداد التركيز على هذا الممر المائي كبديل لتصدير النفط بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز.
تداعيات الاقتصاد العالمي والتأثير على خطوط الإمداد تزامن التحرك الحوثي في البحر الأحمر مع توجيه ضربات استهدفت البنية التحتية لخط أنابيب "شرق-غرب" النفطي داخل الأراضي السعودية، ما أدى إلى إغلاقه كإجراء احترازي بعد رصد قراءات حرارية وتصاعد أعمدة الدخان، وهو ما انعكس فورياً على أسواق النفط العالمية التي سجلت ارتفاعات متصاعدة. ويرى مختصون أن فرض الحوثيين سيطرتهم على باب المندب، إلى جانب القوة الإيراني في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية، يضع مفاتيح ممرات الطاقة البحرية في يد قوى معادية للسياسات الغربية، ما ينذر بتفاقم أزمة الطاقة العالمية وتزايد الضغوط الاقتصادية على واشنطن وحلفائها.
الضغط السياسي وتوازنات القوى الإقليمية يسهم هذا التقدم على ساحل البحر الأحمر في تعزيز الموقف الإيراني خلال المفاوضات الجارية بشأن إدارة الملاحة في المنطقة وتتجه الأنظار إلى الصفقة المقترحة بين طهران وسلطنة عمان لبناء مسارات بحرية مؤقتة يخضع جزء منها للسيطرة الإيرانية، والمقرر مناقشتها في اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بمدينة صلالة، ومن شأن إقرار هذه التفاهمات الإقليمية وضع المزيد من الضغوط على الولايات المتحدة لرفع حصارها المالي والاقتصادي عن الموانئ النفطية الإيرانية.
أبعاد أمنية وتحديات لمجلس التعاون على الصعيد الأمني، حذر الباحث أندرياس كريج من كلية الدراسات الأمنية بكينغز كوليدج لندن من أن التحركات الأخيرة تشكل نقطة تحول حاد، مشيراً إلى أن الحوثيين يهاجمون حالياً ركيزتين أساسيتين للأمن السعودي: الحدود الجنوبية والعمق الاستراتيجي على البحر الأحمر.
تضع هذه المعطيات الميدانية والسياسية المنطقة أمام واقع استراتيجي غير مسبوق، حيث يشير المسار الميداني إلى ترجيح سيناريو فرض "الأمر الواقع الإقليمي" الذي تملك فيه طهران وحلفاؤها زمام التحكم المزدوج بأهم مضيقين للتجارة والطاقة في العالم. وفي حال أخفقت الجهود الدبلوماسية المقترحة في صلالة بتوفير مخرج يرضي القوى الإقليمية، فإن المشهد يتجه نحو تصعيد يتجاوز الجغرافيا اليمنية ليضع الملاحة الدولية أمام مواجهة طويلة الأمد، تجبر العواصم الغربية والخليجية على الاختيار بين تقديم تنازلات جيوسياسية مؤلمة تضمن تدفق الطاقة، أو تحمل تبعات أزمة اقتصادية وأمنية غير محسوبة النتائج.