لم يعرف الإنسان زمنا امتلأ بالمعلومات كما امتلأ عصرنا ، ومع ذلك لم يعرف زمنا أكثر حيرة في البحث عن الحقيقة كما نحن به اليوم ، وتلك هي المفارقة الكبرى التي يقف عندها " الفكر المعاصر " ، فكلما ازدادت النوافذ التي نطل منها على العالم ازداد الضباب الذي يحجب الرؤية ، وكلما تضاعفت وسائل المعرفة تضاعفت كذلك أشكال الوهم ، فلقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش وسط بحر هائل من الأفكار المتصارعة ، حتى غدت الحقيقة نفسها موضوعا للنقاش لا حقيقة يُبحث عنها ، فبين رأي وآخر وبين خطاب ونقيضه وبين صورة وحقيقتها ، يقف العقل مرتبكا أمام عالم لم يعد يكتفي بإخفاء الحقيقة بل أصبح قادرا على إنتاج نسخ متعددة منها
ففي الأزمنة السابقة كانت رحلة الإنسان نحو المعرفة شاقة وطويلة ، لكنه كان يعرف وجهته الى أين ، أما اليوم فقد أصبحت المعرفة متاحة بضغطة إصبع لكن الوجهة نفسها باتت موضع " شك " ، فليس السؤال المعاصر : كيف نصل إلى الحقيقة؟ بل كيف نميزها من بين آلاف الحقائق المصنوعة؟ ، لأن الفكر المعاصر تحول من السعي إلى اليقين إلى إدارة الشك ، وأصبح العقل بدلا من أن يبني قناعاته على التأمل العميق ، يجد نفسه محاصرا بتدفق لا ينتهي من المعلومات والآراء والتفسيرات ، حتى بات الإنسان يستهلك الأفكار كما يستهلك الأخبار بسرعة لا تسمح بالفهم ، وبوفرة لا تتيح التأمل
لذلك أن أخطر ما يواجه الفكر اليوم هو أن النقيض لم يعد يقف خارج الحقيقة بل أصبح يرتدي ثيابها ، فالكذب يتحدث بلغة المنطق ، والتضليل يستعير أدوات المعرفة ، والوهم يقتبس مفردات العلم ، وهكذا لم تعد المعركة بين الحقيقة والجهل كما كانت في الماضي بل بين حقيقة محتملة ونقيض يتقن التشبه بها ، فعصرنا لا يعاني من ندرة المعرفة بل من فائضها ، والفائض حين يفقد الإنسان القدرة على غربلته يتحول إلى شكل جديد من أشكال العتمة فليس كل ما يُقال معرفة ، وليس كل ما ينشر حقيقة ، وليس كل ما يصفق له الجمهور جديرا بالتصديق ، ففي خضم هذا المشهد يبدو الإنسان المعاصر كمسافر يحمل مصباحا صغيرا وسط مدينة من الأضواء الاصطناعية ، حيث يرى كل شيء لكنه لا يعرف أي الأشياء يستحق النظر إليه حقا ، لذلك كثرت الأصوات وقل الإصغاء ، كثرت الآراء وندر الفهم ، كثرت الشعارات وتراجع المعنى ، ليثبت لنا ذلك أن الفكر المعاصر يعيش أزمة أخرى لا تقل خطورة عن غيرها ، وهي " اختزال الإنسان إلى موقف " ، فقد أصبح الفرد يُعرف بما يؤيده أو يعارضه أكثر مما يُعرف بإنسانيته ، وغدت الأفكار في كثير من الأحيان معسكرات مغلقة لا مساحات للحوار ، فأصبح النقيض عدوا بدلا من أن يكون فرصة لاختبار الحقيقة وصقلها ، لكن الحقيقة في جوهرها لا تخاف من النقيض بل إنها كثيرا ما تتجلى من خلاله ، فالفكر الحي لا ينمو في بيئة اليقين المطلق ، كما لا يعيش في فوضى الشك المطلق ، إنه يولد في المسافة الدقيقة بين السؤال والجواب ، بين الإيمان والتساؤل ، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه
لتكمن من هنا المهمة الفلسفية للإنسان المعاصر في : أن يستعيد فضيلة التفكير الهادئ وسط ضجيج العالم ، وأن يتعلم الإصغاء قبل الحكم ، والتأمل قبل التصديق ، والبحث قبل الاصطفاف ، فالحقيقة ليست سلعة جاهزة تُستهلك بل رحلة مستمرة من المراجعة والاكتشاف ، لأن المأساة الحقيقية ليست أن نخطئ في الوصول إلى الحقيقة بل أن نتوقف عن البحث عنها ، فحين يفقد الإنسان شغفه بالسؤال يصبح أسيرا لأي إجابة عابرة ، وحين يكتفي بما يُقدم له يتنازل طوعا عن حريته الفكرية
ومن هنا تحديدا يقف الفكر المعاصر اليوم على مفترق طرق حاسم ، بين حقيقة تتطلب جهدا وصبرا وتواضعا ، ونقيض يعد بالسهولة واليقين السريع ، وبين الطريقين تتحدد ملامح الإنسان في هذا العصر في : هل سيكون كائنا يبحث عن المعنى ، أم مجرد مستهلك للأفكار؟ ، فالحقيقة على الرغم من كل ما يحيط بها من ضجيج ، لا تزال هناك " هادئة ، صامتة ، بعيدة عن الصخب " تنتظر فقط أولئك الذين يملكون شجاعة السؤال ونبل الشك ، وإخلاص الباحث الذي يدرك أن أعظم ما في الحقيقة ليس امتلاكها بل السعي الدائم إليها
الفكر المعاصر بين الحقيقة والنقيض
حين أصبح اليقين غريبا في زمن الوفرة المعرفية ..

دعاء هزاع الجابري

شارك المقال


