مقالاتنا🌐 Available in English١٥ حزيران ٢٠٢٦

الكهرباء في العراق.. رهينة العجز والمعاضل السياسية

الكهرباء في العراق.. رهينة العجز والمعاضل السياسية
محمد العكيلي
محمد العكيلي
بقلم — كاتب CROSS LINES

يسلط هذا المقال الضوء الى واقع الكهرباء في العراق، والعجز الحاصل في معدلات التوليد، وكيفية تعامل الحكومات المتعاقبة، بعد العام 2003 مع هذا الملف، مع احتوائه على نسب ومعلومات دقيقة، مستندة الى تقارير رسمية.

أزمة الأزمات، التي لا يمكن حلها، رغم الإمكانيات المالية الهائلة، التي تمتعت بها الدولة العراقية، ما بعد عام 2003، هكذا يصف العراقيون التردي المزمن للواقع الكهربائي في البلاد، بسبب الانقطاعات المتكررة في التيار الكهربائي، ولاسيما مع وجود عدم انتظام في ساعات القطع المبرمج.

تفاوت كبير في نسب الإنتاج والطلب

بحسب تقارير رسمية صادرة من وزارة الكهرباء العراقية، ووكالة الطاقة الدولية، فضلا عن تحديثات معهد العراق للطاقة، فإن حجم الطلب الفعلي في أوقات الذروة، خاصة خلال أشهر الصيف القاسي، حيث تتجاوز درجات الحرارة الـ "50" درجة، يتراوح الطلب الإجمالي على الكهرباء في العراق بين 35.000 إلى 40.000 ميغاواط، فيما يتأرجح إنتاج المنظومة الوطنية الفعلي بين 24.000 إلى 26.000 ميغاواط في أفضل حالاته، رغم الموازنات الانفجارية للحكومات المتعاقبة.

وفي مقابل التزايد المستمر على الطلب، جراء الانفجار السكاني، والارتفاع العشوائي لأعداد الوحدات السكنية، يسجل العراق عجزا مزمنا وثابتا، في توليد الطاقة الكهربائية، يتراوح بين 10,000 إلى 14,000 ميغاواط، وهو ما يترجم ميدانيا إلى ساعات قطع مبرمج تتراوح بين 12 إلى 16 ساعة يوميا في العديد من المحافظات، بحسب المصادر اعلاه.

ضياع بأشكال متعددة

ومما يزيد الطين بلة، ما أشارت اليه دراسات البنك الدولي، المعنية بقطاع البنية التحتية والطاقة في الشرق الأوسط، وتقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، بأن شبكة التوزيع العراقية، تعاني من نسبة ضياع فني، وتجاوزات غير قانونية، هي الأعلى إقليميا، وتتراوح بين 40% إلى 50%.
وتتوزع هذه الخسائر بين ضياع فني، سببه تقادم شبكات النقل والأسلاك والمحولات، وضياع غير فني، من جراء التجاوزات على الشبكة الوطنية، وغياب الجباية المنظمة، وعدم وجود مقاييس ذكية.

معضلة الاعتماد على الغاز المستورد

ومن أبرز الأسباب، التي أدت لعدم دوران عجلة تطوير قطاع الكهرباء في العراق، معضلة الغاز المستورد والطاقة البديلة، حيث يعتمد العراق بشكل حيوي على استيراد الغاز من إيران لتشغيل محطاته الكهربائية الغازية، حيث يستورد ما يكفي لتوليد حوالي 5,000 إلى 7,000 ميغاواط.
وهذا الاعتماد على الغاز الإيراني، يعاني تذبذبا في الإمدادات، في فترات الصيف أو ذروة الشتاء، ففي معظم الأحيان تتقلص هذه الإمدادات لأسباب فنية أو مالية، متعلقة بآلية الدفع والعقوبات الأمريكية على إيران، مما يتسبب في انهيار مفاجئ لساعات التجهيز بمعدل يتجاوز 3,000 ميغاواط دفعة واحدة، بحسب ما ورد في تقارير وزارة النفط العراقية، وبيانات شركة الغاز الوطنية الإيرانية، بالإضافة إلى نشرات الإعفاءات الدورية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية.

غاز محلي يحترق هباءً

ويأتي الاعتماد على الغاز الإيراني، في تشغيل محطات التوليد الغازية، التي حرصت بعض الحكومات المتعاقبة، على إنشائها بكثافة، خلال السنوات الماضية، في وقت يتمتع فيه العراق بثروة وصناعة نفطية هائلة، ينتج عنها غاز مصاحب، يتم حرقه مع سبق الإصرار والترصد.
وتؤكد تقارير البنك الدولي أن العراق يحرق هباء حوالي 17-18 مليار متر مكعب سنويا من الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط، وهي كمية لو استثمرت لكفت لإنهاء أزمة الطاقة في البلاد وتوفير مليارات الدولارات سنويا.

الكلفة الاقتصادية واستنزاف جيوب المواطنين

تشير التقديرات الرسمية والدولية، بما فيها تقارير ديوان الرقابة المالية الاتحادي في العراق، وتصريحات لرؤساء وزراء سابقين، ومسؤولين آخرين، إلى أن العراق أنفق منذ عام 2003 وحتى الآن ما يزيد عن 45 إلى 60 مليار دولار على قطاع الكهرباء، ومع ذلك لم يتم تحقيق الاكتفاء الذاتي بسبب سوء الإدارة، والفساد، والتعاقد على محطات غازية دون تأمين الوقود المشغل لها محليا.

وبسبب الفشل في معالجة منظومة الكهرباء الوطنية، يدفع العراقيون مجبرين ضريبة موازية باهظة؛ حيث تُقدر المبالغ التي يتقاضاها أصحاب المولدات الأهلية من المواطنين لتعويض نقص الطاقة بنحو 4 إلى 6 مليارات دولار سنويا، مما يشكل عبئا ماليا ضخما على العائلات ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وهذا ما ذكرته المسوح الميدانية للجهاز المركزي للإحصاء العراقي التابع لوزارة التخطيط، والتقارير التحليلية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق.

حلول موجودة تنتظر التنفيذ

لقد تحولت مشكلة الكهرباء في العراق، من أزمة هندسية وتوليد، إلى معضلة سياسية وجيوسياسية؛ فالحلول التكنولوجية متوفرة، مثل الربط الخليجي، والربط مع الأردن، وعقود شركتي سيمنس وجنرال إلكتريك، ومشاريع الطاقة الشمسية، لكن تفعيلها يسير ببطء شديد نتيجة لتضارب المصالح السياسية والضغوط الإقليمية التي تفضل بقاء العراق سوقا مستهلكاً للطاقة بدلاً من منتج لها.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته