مقالاتنا🌐 Available in English١ آب ٢٠٢٦

23 عامًا تفصل الصين عن التربع على عرش الاقتصاد العالمي

23 عامًا تفصل الصين عن التربع على عرش الاقتصاد العالمي
CROSS LINES
مصطفى مازن
مصطفى مازن
بقلم — كاتب CROSS LINES

يتناول المقال، وبالأرقام، واقع الصين بعد 23 عامًا، عند حلول الذكرى المئوية لتأسيس الدولة، وما حققته حتى الآن، وما أهدافها للعام المذكور. كما يستعرض تفاصيل تجارتها ونجاحاتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، والنقطة التي وصلت إليها مبادرة الحزام والطريق، ورؤية الرئيس شي جين بينغ الاقتصادية.

عندما أعلنت الصين، في فبراير/شباط 2021، القضاء على الفقر وفق معاييرها الوطنية، لم يكن ذلك نهاية مشروع اقتصادي استمر أكثر من أربعة عقود، بل بداية مرحلة جديدة أكثر طموحًا؛ مرحلة تحول فيها الناتج المحلي للبلاد إلى أكثر من 18 تريليون دولار سنويًا.

الرئيس الصيني شي جين بينغ
الرئيس الصيني شي جين بينغ


الرئيس شي جين بينغ وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة «التنمية عالية الجودة»، وهي انتقال من اقتصاد يعتمد على كثافة الإنتاج والصادرات إلى اقتصاد يقوده الابتكار والتكنولوجيا والاستهلاك المحلي، مع هدف بعيد المدى يتمثل في بناء دولة حديثة وقوية بحلول عام 2049، بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

يصعب فهم المشروع الصيني الحالي من دون العودة سريعًا إلى نقطة البداية. ففي عام 1978، لم يكن حجم الاقتصاد الصيني يتجاوز نحو 150 مليار دولار، بينما كان متوسط دخل الفرد أقل من 200 دولار سنويًا، وكانت الصين تمثل أقل من 2% من الاقتصاد العالمي.

أما اليوم، فيتجاوز حجم الناتج المحلي 18.9 تريليون دولار، وتمثل الصين وحدها 17% من الاقتصاد العالمي، وتحولت إلى أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم، بإجمالي يبلغ 3.5 تريليون دولار سنويًا، فيما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى أكثر من 13 ألف دولار.

أما الإنجاز الذي تعتز به بكين أكثر من غيره، فهو انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر منذ بدء سياسة الإصلاح والانفتاح، وهو ما يمثل أكثر من 70% من إجمالي الانخفاض العالمي في الفقر المدقع، وفق بيانات البنك الدولي.

لكن القيادة الصينية ترى أن هذه الإنجازات أصبحت جزءًا من الماضي، وأن المنافسة المقبلة لن تكون على حجم المصانع، بل على امتلاك التكنولوجيا.

أما من يقود هذا التحول الناجح حاليًا، فهو الرئيس شي جين بينغ، صاحب خطة زيادة معدلات النمو والتطور، والانتقال نحو عصر جديد أُعيدت فيه هيكلة الاقتصاد. ولهذا وضعت الحكومة أهدافًا تمتد حتى عامي 2035 و2049، تُنفَّذ عبر خطط خمسية متتابعة، مع توجيه استثمارات ضخمة نحو القطاعات الاستراتيجية.

أكبر ورشة ابتكار في العالم

إذا كانت الولايات المتحدة تقود العالم في مجال شركات التكنولوجيا العملاقة، فإن الصين تسعى إلى أن تصبح أكبر مركز عالمي للابتكار الصناعي.

وخلال عام 2024 وحده، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير أكثر من 3.6 تريليون يوان، أي نحو 500 مليار دولار، فيما بلغ عدد الباحثين في هذا البلد الكبير 4.7 مليون باحث، وهو أكبر عدد من الباحثين في دولة واحدة على مستوى العالم.

كما سجلت الصين مئات الآلاف من طلبات براءات الاختراع سنويًا، وتصدرت العالم في عدد من مؤشرات الملكية الفكرية.

وتتركز الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والروبوتات الصناعية، والحوسبة الكمية، والأقمار الصناعية، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الحيوية.

والأهم من ذلك هو التحول نحو الاقتصاد الرقمي بالكامل، الذي أصبح أحد أعمدة النمو في ذلك البلد. وتشير البيانات الرسمية إلى أن القيمة المضافة للاقتصاد الرقمي تجاوزت 50 تريليون يوان خلال السنوات الأخيرة، بما يمثل نحو 40% من الناتج المحلي.

وتركز بكين حاليًا على تطوير الإنترنت، ولا سيما خدمات الجيل الخامس «5G»، ومراكز البيانات العملاقة، والحوسبة السحابية، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الجيل السادس.

ولا بد أيضًا من الوقوف عند تحول الصين من «مصنع العالم» إلى «مصنع التكنولوجيا»، إذ تغيرت الأولويات، وأصبحت الصين أكبر منتج ومصدر للسيارات عالميًا، والأولى في صناعة البطاريات الكهربائية والألواح الشمسية.

وتستهدف الحكومة رفع مساهمة الصناعات المتقدمة في الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على استيراد التقنيات الحساسة، خاصة في قطاع أشباه الموصلات.

ورغم كل هذا التطور الاقتصادي، فإن استراتيجية الرئيس شي لم تغفل الاستثمار الأخضر والبيئة، إذ ترى الخطط الخمسية المتعاقبة لبكين أن الطاقة النظيفة ليست قضية بيئية فقط، بل فرصة اقتصادية.

وبناءً على ذلك، أصبحت الصين الأولى عالميًا في إنتاج ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح، وصاحبة أكبر استثمارات سنوية في الطاقة المتجددة. كما تستهدف الوصول إلى ذروة الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030.

لكن الخطة الجديدة تقوم أيضًا على تنشيط السوق المحلية، إذ تضم الصين أكثر من 1.4 مليار نسمة، مع طبقة متوسطة تُقدَّر بمئات الملايين من المستهلكين.

ولهذا تعمل الحكومة على رفع مستويات الدخل، وتحسين أنظمة التقاعد والتأمين الصحي، وتشجيع الاستهلاك، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتوسيع قطاع الخدمات.

وتندرج هذه السياسة ضمن استراتيجية «التداول المزدوج»، التي تجعل الطلب المحلي ركيزة للنمو، مع الحفاظ على الانفتاح التجاري.

أما الوقفة الأخيرة، فلا بد أن تكون عند أهم مشاريع الصين الكبرى، وهي مبادرة الحزام والطريق، بوصفها مشروعًا للبنى التحتية يهدف إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية.

ومنذ إطلاقها عام 2013، انضمت إليها أكثر من 150 دولة و30 منظمة دولية، فيما تجاوزت قيمة التجارة بين الصين والدول المشاركة في المبادرة 20 تريليون دولار بصورة تراكمية.

كما استقطبت المبادرة استثمارات مباشرة بمئات المليارات من الدولارات في مشاريع الموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة.

ماذا تريد الصين في عام 2035؟

تستهدف بكين، بحلول عام 2035، تحقيق اختراقات عالمية في التكنولوجيا المتقدمة، ومضاعفة الاعتماد على الابتكار، وتحديث الصناعة بالكامل، وتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، ورفع متوسط الدخل الحقيقي للسكان، وتوسيع الطبقة المتوسطة، واستكمال التحول الرقمي للإدارة والاقتصاد.

أما عام 2049...

فلا يمثل مجرد تاريخ رمزي، بل هو الموعد الذي تسعى فيه الصين إلى استكمال مشروعها الممتد منذ عام 1949.

والهدف، كما تطرحه القيادة الصينية، هو بناء دولة اشتراكية حديثة تتمتع باقتصاد متقدم قائم على الابتكار، وصناعة عالية التقنية، ونفوذ اقتصادي عالمي، مع الحفاظ على دور محوري في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد الدولية.

نجحت الصين خلال العقود الماضية في كسب معركة التصنيع والقضاء على الفقر، أما المعركة الجديدة فهي أكثر تعقيدًا، وتتمثل في قيادة الاقتصاد العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي.

وتحاول بكين خلالها الانتقال من لقب «مصنع العالم» إلى موقع «مركز الابتكار العالمي»، وهو الرهان الذي سيحدد شكل الاقتصاد الدولي خلال العقود المقبلة.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته