امتحان "صولة الفجر".. كيف يواجه العراق معركة تفكيك الرؤوس المحرمة سياسياً
CROSS LINES
وفاء الفتلاوي
بقلم — كاتب CROSS LINES
يتناول المقال حملة "صولة الفجر" لمكافحة الفساد، ويحلل ما إذا كانت تمثل تحولاً حقيقياً في مسار محاسبة الشخصيات النافذة أم أنها ستواجه المصير نفسه الذي انتهت إليه حملات سابقة. ويستعرض القراءات المختلفة للحملة، مع التركيز على دور القضاء وأهمية استكمال الإجراءات القانونية، مؤكداً أن نجاحها سيقاس بالنتائج القضائية وترسيخ مبدأ سيادة القانون، لا بعدد الاعتقالات أو الزخم الإعلامي.
امتحان "صولة الفجر".. كيف يواجه العراق معركة تفكيك الرؤوس المحرمة سياسياً
الكاتبة والاعلامية وفاء الفتلاوي: لم تعد حملة "صولة الفجر" مجرد عنوان أمني عابر في المشهد العراقي بعدما تجاوزت دائرة الموظفين الصغار لتصل إلى شخصيات سياسية وأمنية بارزة كانت حتى وقت قريب توصف بأنها بعيدة عن المساءلة ومحاطة بحصانات صنعتها سنوات طويلة من النفوذ والتوازنات السياسية.
وهذا التحول فتح باباً واسعاً أمام التساؤلات ليس فقط بشأن مصير المتهمين بل حول طبيعة المرحلة التي يعيشها العراق وما إذا كانت الدولة قد قررت أخيراً فتح مواجهة حقيقية مع منظومة الفساد أم أن ما يجري لا يعدو كونه جولة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخل الطبقة السياسية.
فطوال العقدين الماضيين اعتاد العراقيون على سماع عناوين كبيرة عن محاربة الفساد وشهدوا تشكيل لجان تحقيقية وإطلاق حملات وعمليات خاصة لكن النتيجة كانت غالباً واحدة ضجيج إعلامي واسع يعقبه هدوء مفاجئ ثم اختفاء الملفات أو تحولها إلى تسويات سياسية وقانونية لا تحقق العدالة التي ينتظرها الشارع ولهذا السبب فإن أي حملة جديدة مهما كانت قوتها تواجه اليوم رأياً عاماً أكثر حذراً وأقل اندفاعاً نحو التفاؤل لأن الذاكرة العراقية ما زالت تحتفظ بتجارب كثيرة انتهت دون محاسبة حقيقية للرؤوس الكبيرة.
لكن ما يميز "صولة الفجر" حتى الآن هو أن الاعتقالات والتحقيقات لم تعد تقف عند حدود الأسماء التقليدية بل اقتربت من شخصيات كانت تعتبر لسنوات جزءاً من المنطقة المحرمة سياسياً وهذا التطور إن استمر ضمن الأطر القانونية يمكن أن يحسب لاستقلالية القضاء ولتعاون الرئاسات الأربع في توفير الغطاء السياسي والمؤسساتي الذي تحتاجه الأجهزة الرقابية والأمنية للتحرك بعيداً عن الضغوط التي كانت تعرقل كثيراً من الملفات في السابق فالقضاء لا يستطيع أن ينجح وحده إذا بقيت الإرادة السياسية مترددة كما أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي إذا لم تستند إلى مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على تحويل الاتهامات إلى أحكام راسخة.
في المقابل لا يخلو المشهد من قراءات أخرى لا تقل حضوراً في الأوساط السياسية والإعلامية فهناك من يرى أن توقيت بعض الاعتقالات خصوصاً تلك التي طالت شخصيات معروفة مثل مثنى السامرائي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحملة تستهدف جميع المتورطين بالمعايير نفسها أم أنها تركز على خصوم أو أطراف معينة ضمن صراع النفوذ القائم وهذه القراءة ليست جديدة في العراق إذ كثيراً ما ارتبطت ملفات الفساد بالتجاذبات السياسية الأمر الذي جعل الرأي العام يتعامل بحذر مع أي تحرك مهما بدا كبيراً في بدايته.
ومن هنا ظهرت ثلاث قراءات رئيسية لما يجري اليوم الأولى ترى أن الحملة تحمل بعداً إعلامياً وسياسياً وتهدف إلى إيصال رسائل للخارج بأن العراق جاد في مكافحة الفساد خاصة في ظل حاجة البلاد إلى تعزيز ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية إلا أن أصحاب هذا الرأي يستشهدون بتجارب سابقة انتهت بتسويات سياسية أغلقت الملفات قبل وصولها إلى أحكام نهائية ما يجعلهم يشككون في قدرة الحملة الحالية على الذهاب حتى النهاية.
أما القراءة الثانية فتعتبر أن ما يجري يمثل عملية إعادة ترتيب للمشهد السياسي عبر إبعاد وجوه نافذة وإفساح المجال أمام قوى أو شخصيات جديدة في إطار إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الدولة ويستند أصحاب هذا الطرح إلى أن التغييرات السياسية في العراق كثيراً ما رافقتها حملات قضائية أو إدارية انتهت بإعادة توزيع موازين القوة أكثر مما انتهت بإصلاح منظومة الفساد نفسها.
في حين تتمسك القراءة الثالثة باحتمال أن تكون "صولة الفجر" بداية فعلية لمعركة مختلفة تستند إلى إرادة سياسية حقيقية لإنهاء مرحلة الإفلات من العقاب غير أن هذا الاحتمال رغم أهميته لا يزال بحاجة إلى إثبات عملي لأن العراقيين لم يعودوا يقيسون نجاح الحكومات بعدد المؤتمرات الصحفية أو أوامر القبض بل بما تنتهي إليه الملفات داخل المحاكم وبقدرة الدولة على استرداد الأموال العامة ومنع تكرار الجرائم نفسها وهذا ماستثبته الايام القادمة.
ومهما كانت القراءة الأقرب إلى الواقع فإن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يتوقف عند اعتقال شخصيات معروفة لأن الفساد في العراق لم يعد سلوكاً فردياً بل تحول إلى منظومة متشابكة أنتجتها ثغرات قانونية وضعف في الرقابة وتداخل بين النفوذ السياسي والإداري والاقتصادي ولهذا فإن استبدال أسماء بأسماء أخرى لن يغير شيئاً إذا بقيت البيئة التي صنعت الفساد على حالها.
إن المعركة الحقيقية لا تبدأ من تنفيذ أوامر القبض بل من إصلاح القوانين وتعزيز استقلال القضاء وإغلاق منافذ التدخل السياسي وإعادة بناء منظومة رقابية قادرة على كشف الفساد قبل أن يتحول إلى واقع يصعب معالجته فالدول لا تنتصر على الفساد باعتقال الفاسدين فقط وإنما من خلال بيئة تمنع ولادة فاسدين جدد.
"في نهاية المطاف، لا يمكن الحكم على "صولة الفجر" من خلال عدد أو مكانة الشخصيات التي طالتها التحقيقات ولا من خلال حجم التغطية الإعلامية التي رافقتها بل من خلال ما ستنتهي إليه هذه الملفات داخل القضاء فإذا قادت إلى أحكام عادلة واسترداد للمال العام ومنعت تكرار أسباب الفساد فإنها ستكون محطة فارقة في تاريخ الدولة العراقية ونصرا يحسب للحكومة والاطار التنسيقي الذي منح الضوء الاخضر أما إذا توقفت عند حدود الاعتقالات أو انتهت بتسويات سياسية فستضاف إلى قائمة حملات كثيرة بدأت بعناوين كبيرة وانتهت دون أثر دائم.