مقالاتنا🌐 Available in English١٠ تموز ٢٠٢٦

العراق بين واشنطن وطهران: حفظ السيادة عبر الحياد الفاعل

العراق بين واشنطن وطهران: حفظ السيادة عبر الحياد الفاعل
CROSS LINES
داستن دوبين
داستن دوبين
بقلم — كاتب CROSS LINES

اهمية العراق الجيوسياسية

مع استمرار تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتكرار فشل اتفاقات وقف إطلاق النار في الصمود، يجد العراق نفسه عالقاً بين قوتين متنافستين. وقد تحدد القرارات التي ستتخذها بغداد خلال الأشهر المقبلة ما إذا كان العراق سيبقى قوة استقرار في المنطقة، أم سيعود مرة أخرى ليكون مركزاً لصراع أوسع بالوكالة.

قد ينظر كثيرون خارج المنطقة، ولا سيما في الولايات المتحدة، إلى التوترات الراهنة باعتبارها خلافاً بين دولتين تفصل بينهما آلاف الأميال. أما بالنسبة لمن يعيشون في الشرق الأوسط، فإن الواقع مختلف تماماً. فكل تصعيد جديد يثير حالة من عدم اليقين، ويزيد المخاوف المتعلقة بالأمن والاستقرار الاقتصادي واحتمال انجراف دول مجاورة إلى صراع لم تسعَ إليه.

يحتل العراق واحداً من أهم المواقع الجيوسياسية الاستراتيجية في العالم. فالتنافس المستمر بين الولايات المتحدة وإيران يضع بغداد في موقف بالغ التعقيد. إذ يرتبط العراق بعلاقات سياسية واقتصادية ودينية وأمنية عميقة مع إيران، وفي الوقت نفسه يعتمد على شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. وإذا مال العراق بشكل مفرط نحو أي من الطرفين، فإنه يخاطر بأن يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة مرة أخرى، وهو موقع عانى منه البلد كثيراً عبر تاريخه الحديث.

ولهذا السبب، فإن الخيار الأفضل للعراق هو الحفاظ على سيادته قبل كل شيء. وينبغي للحكومة العراقية أن تواصل التأكيد بوضوح على أن أي عمليات عسكرية تُنفذ داخل حدوده يجب ألا تتم إلا بتفويض من الدولة العراقية. ومن خلال تعزيز التزامها الدستوري بالسيادة الوطنية، يستطيع العراق أن يثبت أن أراضيه لن تُستخدم كنقطة انطلاق لصراعات بين قوى خارجية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي للعراق أن يواصل الحفاظ على علاقات بناءة مع كل من واشنطن وطهران. فقد كان التعاون مع الولايات المتحدة عاملاً مهماً في الحملة ضد تنظيم داعش وفي تعزيز قدرات القوات الأمنية العراقية. وبالمثل، تبقى الروابط الدينية والثقافية والاقتصادية بين العراق وإيران ذات أهمية كبيرة، وقد ساعدت على إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة خلال فترات التوتر الإقليمي المتصاعد. إن الحفاظ على هاتين العلاقتين يخدم المصالح الوطنية العراقية بدرجة أكبر بكثير من اختيار طرف على حساب الآخر.

الخلاصة الأساسية بسيطة: يستفيد العراق من الدبلوماسية المتوازنة أكثر بكثير مما يستفيد من الاصطفاف الحصري مع أي من البلدين. فالحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الولايات المتحدة وإيران يتيح للعراق حماية مصالحه الوطنية، مع تقليل احتمالات تحوله إلى ساحة المواجهة التالية في صراع إقليمي. فمستقبل البلاد يعتمد على إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي، لا على صراع طويل جديد يُخاض داخل حدوده.

يجب أن يبقى تعزيز العراق من الداخل أولوية قصوى للحكومة. فالاستمرار في الاستثمار في القوات المسلحة العراقية، والشرطة الاتحادية، وأمن الحدود، والقدرات الاستخبارية، والمؤسسات القضائية، سيساعد على تقليل النفوذ الخارجي، وفي الوقت نفسه يعزز قدرة الحكومة على حماية شعبها. فالدولة العراقية الأقوى تكون أكثر قدرة على الدفاع عن سيادتها واتخاذ قرارات مستقلة بعيداً عن الضغوط الخارجية.

كما يمتلك العراق فرصة فريدة لمواصلة أداء دور الوسيط الإقليمي، بدلاً من أن يكون طرفاً في منافسة القوى الكبرى. فقد أثبتت بغداد في السنوات الأخيرة أن الدبلوماسية يمكن أن تكون أداة فعالة لتخفيف التوترات بين دول الجوار. ومن خلال توسيع التعاون الإقليمي، وتعزيز الاقتصاد، وبناء مؤسسات وطنية قادرة على الصمود، يستطيع العراق أن يرسخ موقعه أكثر كقوة استقرار في الشرق الأوسط.

في نهاية المطاف، تتمثل الاستراتيجية الأكثر فاعلية للعراق في الحياد الفاعل. وهذا لا يعني الوقوف موقفاً سلبياً أمام التحديات الإقليمية، بل يعني حماية وحدة الأراضي العراقية، والحفاظ على علاقات منتجة مع الولايات المتحدة وإيران، وضمان أن يكون كل قرار موجهاً أولاً وقبل كل شيء بمصالح الشعب العراقي.

وفي منطقة تزداد اضطراباً، فإن حفظ السيادة، وتعزيز الدبلوماسية، وتقوية المؤسسات الوطنية، تمثل أفضل طريق أمام العراق نحو سلام دائم واستقرار طويل الأمد.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته