دولي🌐 Available in English١ أيلول ٢٠٢٦

صناعة التوابيت في مدينة مرعوبة من الإيبولا

صناعة التوابيت في مدينة مرعوبة من الإيبولا
New York Times
N
New York Times
المصدر الأصلي

مع تفشي فيروس الإيبولا في الكونغو الديمقراطية، ازدهرت تجارة صناعة التوابيت في مدينة بونيا، وسط نقاش محتدم حول سلامة الدفن والتدابير الصحية. يجد صانعو التوابيت أنفسهم في قلب أزمة إنسانية تجمع بين الوباء والعادات التقليدية والقلق من العدوى.

في مدينة بونيا بشرق الكونغو الديمقراطية، لا تتوقف مناشير صانعي التوابيت عن الدوران. مع كل موجة جديدة من وفيات الإيبولا، يزداد الطلب على خدماتهم، فيجدون أنفسهم في موقع غير متوقع: في قلب جدل صحي وأخلاقي حاد حول كيفية التعامل الآمن مع الموتى.

بينما يصرّ عدد من صانعي التوابيت في بونيا على أنهم يقدمون خدمة عامة حتمية، فإن الفيروس الفتاك فرض عليهم دوراً معقداً. لم يكن لديهم خيار سوى الاستمرار في عملهم، رغم المخاطر الصحية الجسيمة التي تحيط به. تزايدت مبيعات التوابيت بشكل حاد منذ عودة ظهور فيروس الإيبولا في المنطقة الشرقية من الكونغو الديمقراطية، مع ارتفاع عدد الضحايا بأرقام مرعبة.

السؤال الذي يطرحه الخبراء الصحيون والسلطات المحلية بإلحاح يتعلق بمدى التزام هؤلاء الحرفيين بمعايير السلامة والصحة العامة. فالفيروس، الذي ينتقل عبر السوائل والدم، يشكل خطراً مباشراً على أي شخص يتعامل مع الجثث دون احتياطات كافية. لكن في واقع تفتقر فيه المدينة إلى الموارد والتدريب الطبي المتقدم، تبقى هذه الحرفة من أخطر المهن وأكثرها عرضة للعدوى.

يرى بعض الناشطين في مجال الصحة العامة أن صناعة التوابيت، كما هي الآن، قد تساهم في نشر الفيروس بدلاً من احتوائه. إذ يعتمد الكثير من الممارسات التقليدية في المنطقة على غسل الجثة وتحضيرها بطقوس معينة قبل الدفن، وهي عمليات شديدة الخطورة في حالة الإيبولا. من جهتهم، يؤكد المسؤولون الصحيون على ضرورة تغيير هذه الممارسات وإقناع الأسر بالالتزام بدفن آمن.

لكن التغيير ليس سهلاً في مجتمع عميق التجذر في تقاليده. الكثير من العائلات ترفض قبول طرق الدفن الحديثة، معتبرة إياها إهانة للموتى وخروجاً عن العادات المقدسة. وهنا يظهر الدور الحساس لصانعي التوابيت: فهم ليسوا مجرد حرفيين، بل وسطاء محتملين بين العادات التقليدية والمتطلبات الصحية الجديدة.

يقول بعضهم إنهم حاولوا اتباع إرشادات السلطات الصحية، لكنهم يواجهون مقاومة من الأسر والمجتمع. البعض الآخر يعترف بأنه لا يملك الموارد أو التدريب الكافي لتطبيق معايير السلامة بشكل صحيح. وفي غياب الإشراف والتنظيم الحقيقيين، تبقى الممارسات متفاوتة وغير منضبطة.

المفارقة القاسية هي أن صناعة التوابيت، التي كانت حرفة هامشية قبل الوباء، أصبحت الآن نشاطاً اقتصادياً مزدهراً وخطراً في نفس الوقت. يحصل الحرفيون على عملهم الكثير، لكن على حساب صحتهم وسلامتهم. وبينما تزداد الأرباح، تزداد أيضاً معدلات الإصابة بالفيروس بين العاملين في هذا القطاع.

السلطات الصحية تعترف بأن هذا التحدي يتجاوز مجرد توفير التوابيت. إنه يتعلق بإعادة صياغة الممارسات الاجتماعية والثقافية في أوقات الأزمات. يتطلب الأمر نقاشات حساسة مع المجتمع المحلي، وفهماً عميقاً للمعتقدات والتقاليس، وتوفير بدائل آمنة تحترم كرامة الموتى والأحياء معاً.

في الوقت الحالي، يبقى صانعو التوابيت في الخطوط الأمامية للأزمة، يعملون بثبات وسط الخوف والغموض. يومهم يبدأ بالخشب والمسامير وينتهي بالتعب والقلق. وبينما يستمر الوباء في الانتشار، تستمر أيضاً الحاجة إلى توابيتهم، في واقع مرعب يذكر الجميع بهشاشة الحياة وقسوة الأمراض التي لم نتمكن بعد من السيطرة عليها.

🔗 شارك المقال

الوسوم:#الإيبولا#الكونغو الديمقراطية#الأوبئة#الدفن الآمن#بونيا#الصحة العامة
المصدر: New York Times

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته