مقالاتنا🌐 Available in English٢٥ حزيران ٢٠٢٦

باكستان وقطر .. لاعبا الظل في الشرق الأوسط بين الوساطة والنفوذ

باكستان وقطر .. لاعبا الظل في الشرق الأوسط بين الوساطة والنفوذ
CROSS LINES
فراس البدر
فراس البدر
بقلم — كاتب CROSS LINES

قراءة تحليلية في دور آسلام اباد والدوحة في تقريب وجهات النظر وسبل التهدئة للازمة في الشرق الاوسط والحرب بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية وما استطاعا ان يحققاه من مسارات تفاوضية وجلب الخصوم الى الجلوس على مائدة المباحثات والولوج في مسارات تفاوضية اقرب الى اتفاق شامل وسلام مستدام في المنطقة .




بعد احتدام الحرب الايرانية الأميركية الاسرائيلية في منطقة الشرق الاوسط ووصول تداعياتها الى مديات خطيرة وواسعة حتى باتت تهدد اوروبا والعالم جراء اغلاق مضيق هرمز وسوء الاضرار الاقتصادية العالمية , فضلا عن حجم التدمير للبنى التحتية في المنطقة بعد قصف واستهداف القواعد الاميركية والبنى التحتية الايرانية وما لحق من تدمير في الداخل الاسرائيلي ومستوطناته ,, كان لابد هنا من التدخل بالوساطة وايقاف تصعيد الحرب على يد جهات قوية ولها رأي مسموع ومكانة في العالم ولا سيما بين الطرفين المتحاربين ايران واميركا ..

باكستان .. القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي وانضمت لها قطر اللتا كانتا الدولتين الوسيطتين اللتين لعبتا دورا كبيرا وبالغا ومؤثرا في سبيل ايقاف هذه الحرب المستعرة والتي كانت تهدد تداعياتها الجميع في المنطقة والعالم , باكستان وقطر وتأثيرهما على الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية يضاف اليهما إسرائيل ولبنان عملتا على تهدئة الاوضاع والتصعيد العسكري الساري الى هدنة لايقاف الحرب ثم الولوج الى مفاوضات بناءة تمهيدا الى اتفاق نهائي وسلام دائم , فما هو تأثير باكستان وقطر في محاولات التهدئة وعدم التصعيد وما مكاسبهما ومصلحتهما في هذا الوساطة الراهنة .

آسلام اباد برزت في لحظة اقليمية قوية وهي من كانت الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران وهي اصبحت أحد مفاتيح الحرب التي لم تكن طرفا بها , فقد قادت جهود المفاوضات لايام وهي من نجحت بوقف اطلاق النار الاول في الحرب وهي التي ستصل الى توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية وقادت اول جولة مفاوضات في سويسرا بدعم شخصيتين بارزتين تمثلا برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش في باكستان عاصم منير وهما من تصدرا المشهد التفاوضي وتحولا الى فاعلين رئيسيين في مسار الأزمة وكانا من ربط بين المفاوضين للدولتين وتوسطا من ناحية بين عراقجي وقاليباف وممثلي إيران الدبلوماسيين وبين جاريد كوشنر وويتكوف وجي دي فانس ممثلي أميركا من ناحية اخرى.

عقب الدخول الى المحادثات الدبلوماسية نرى ان باكستان رعت بالتنسيق مع قطر مسارا تفاوضيا قائما على تشكيل لجنة سياسية عليا ومحادثات فنية حول البرنامج النووي الايراني والعقوبات , بالاضافة الى خط اتصال لتجنب الحوادث في مضيق هرمز وآلية لخفض التصعيد في لبنان .

وبحسب بلومبرغ الشرق فأن الحرب دفعت إسلام آباد إلى صدارة الوساطة ومنحتها ثقلا سياسيا افتقدته لعقود في المنطقة , اضافة الى صورة دبلوماسية لامعة ثم نفوذ دولي لافت وعلاقات وثيقة بين الخليج وأميركا والصين وروسيا , ووفقا لحديث مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية فأن باكستان انتقلت من دولة لا تملك أي نفوذ تقريبا في الشرق الأوسط مطلع 2025 إلى لاعب دبلوماسي وعسكري مؤثر في المنطقة اليوم.

تصارع باكستان حاليا على تحويل المفاوضات الاميركية الايرانية الى اتفاق دائم وسلام مستدام وهو ما سيحقق لها في نهاية المطاف مكسبا سياسيا واعترافا دوليا بقوتها الدبلوماسية التي حققتها حتى اللحظة في فتح القنوات السياسية مع واشنطن وبث الاستثمارات الاقتصادية بمنطقة الخليج وايران وصولا الى الصين واوروبا , وهو ما سيعمد الى تبؤاها منصبا في العالم الحديث من وجهة نظر باكستانية حادة .

على مدى سنوات ظلت الهند الشريك الإقليمي المفضل لواشنطن لكن تقارب باكستان من ترامب أسهم بدفع نيودلهي بعيدا خاصة مع مسار عززه دور إسلام آباد كوسيط للسلام وهو ما ساعدها كثيرا بهذا الجانب , الى جانب ان الاخيرة تملك مرونة استراتيجية وقدرة على دفع مبادرات دولية عالية القيمة وهو ما لمسناه عقب اربعة اشهر من الصراع الاميركي الايراني في المنطقة والذي اسهمت به باكستان بتقريب وجهات النظر ولملمة الاطراف المتنازعة ودفعهم الى الجلوس على طاولة المباحثات .

ولو تذكرنا مثلا مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكون مجلسا للسلام في منطقة غزة بعد نزاع طويل مع إسرائيل لوجدنا ان باكستان سارعت الخطى لتصبح "عضوا مؤسسا" فيه خلال مراسم توقيع جماعي عقدت في كانون الثاني الماضي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس , وهو ايضا دافع لاسلام اباد لان تكون حاضرة في جميع الميادين والمناسبات العالمية التي تحقق لها نموا دبلوماسيا وسياسية ويبني لها نفوذا صارخا ومؤثرا بالمنطقة والعالم.

وكما يقول معهد الدراسات الإقليمية الذي يمثل مركز الابحاث الستراتيجي في إسلام آباد فإن العلاقات الشخصية بين إدارة ترامب وباكستان، إلى جانب علاقة العمل بين إسلام آباد وجارتها إيران، جعلت البلاد في وضع جيد لأداء دور وساطة في الحرب .

ينبغي علينا عدم نسيان ان هذه الوساطة الاقليمية جاءت عقب دخول استثمارات اميركية كبيرة في باكستان خلال العام الماضي في مجالات العملات المشفرة والمعادن الحيوية والعديد من مذكرات التفاهم وهو ما تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

نعرج قليلا على دور قطر التفاوضي وكونها وسيطا بين خصمين لدودين والنقاط التي تؤهلها لآن تكون بمحل الوسيط وابرزها هنا ان دولة قطر تملك علاقة أمنية قوية مع واشنطن وتحافظ ايضا على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران بسبب القرب الجغرافي والعلاقات السياسية والاقتصادية , وهو ما جعلها قادرة على نقل الرسائل المباشرة , فضلا عن تخوف الدوحة من تأثير التصعيد العسكري على الخليج برمته وترى بأن خفض التوتر ليس فقط دورا دبلوماسيا بل مصلحة أمنية لها , ناهيك عن ان الدور القطري في الوساطة أمر مناسب لجميع الاطراف وهي التي نجحت في تكوين صورة سياسية واقليمية قوية لها بين جميع اقطاب العالم ولها القدرة على جمع الخصوم على مائدة حوار واحدة .

في سياق متصل فقد شهدنا طيلة المرحلة الماضية تصاعد الاحداث في المشهد الإقليمي من غزة الى اسرائيل الى غيرها من قضايا المنطقة وهو ما كان يتجه نحو مزيد من التصعيد، نلمس بأن الدوحة حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف دون استثناء وتحولت هذه المقاربة إلى رصيد سياسي منح قطر قدرة نادرة على التحرك في أكثر الملفات حساسية بواسطة ثقلها السياسي والاقتصادي .

فقد قادت قطر بالتنسيق مع السعودية وتركيا ومصر وساطة تفاوضية بين إيران والولايات المتحدة منذ بدء الازمة في الشرق الاوسط واستطاعت قليلا في عدم تصعيدها منذ بدايتها الا ان الحرب اخذت نصيبها من الاحداث قبل الوصول الى مرحلة التهدئة السياسية والاقليمية , حيث لم تقتصر التحركات القطرية على نقل الرسائل بل السعي إلى إدارة الفجوات بين الطرفين وبناء الحد الأدنى من الثقة السياسية وهو ما تجلى في تكثيف الزيارات والاتصالات الدبلوماسية المتبادلة.

الى جانب وجود أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة وهي قاعدة العديد في قطر فضلا عن اسهامات اوروبا في الغاز المسال القطري ودورها السابق في ملفات مثل أفغانستان وغزة جعلها قوة لا يستهان بها من حيث الوساطة الاقليمية .


من اللافت أن باكستان وقطر لم تبنيا هذا الدور في فراغ، بل عبر شبكة علاقات متوازنة مع أطراف مختلفة شملت الولايات المتحدة وإيران وتركيا والسعودية والأردن ومصر , اذ منح هذا التوازن اسلام اباد والدوحة قدرة استثنائية على التحرك في مساحة لا يستطيع كثيرون الولوج اليها.

ومع كل ما سبق فأن المفاوضات تجري على ارض متحركة مأخوذة من بقايا عدم الثقة المتجذر بين الطرفين والتشكيك بالوعود والعهود وهو ما يزيد الازمة تصعيدا باعتبار ان الوصول الى اتفاق شامل كمثل من يلعب بالنار ولا يرغب في الاحتراق , نعم وبشكل مبسط فان هذه المفاوضات وان كان مفاوضيها ووسطائها من الاطراف القوية وذات النفوذ إلا ان ديمومتها والوصول الى اتفاق هو اقرب الى الفشل من النجاح منه فالنوايا لم تسند الزير يوما بل بالافعال والاقوال معا تسير العهود والباقي سنراه عما قريب.


🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته