الإطار التنسيقي.. عراب الحكومتين وتحديات المرحلة المقبلة
محمد العكيلي
بقلم — كاتب CROSS LINES
بعد نجاح الإطار التنسيقي في تشكيل حكومتين متتاليتين، عقب انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي العراقي، تحمل هذا التكتل الشيعي مسؤولية ضخمة، تمثلت في إثبات قدرته على استعادة ثقة الشارع بالعملية السياسية، وهذا ما فعله في حكومة السوداني، واليوم يقف أمام تحد جديد، ألا وهو حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، التي تختلف متطلبات إدارتها عن حكومة السوداني بصورة كبيرة.
منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في أواخر عام 2022، دخل المشهد السياسي العراقي مرحلة جديدة من إدارة السلطة، تزعّمها "الإطار التنسيقي" بوصفه الكتلة النيابية الأكبر والمظلة السياسية الراعية للحكومة. تميزت هذه المرحلة بـ "الواقعية السياسية" والتركيز على الملف الخدمي لتهدئة الشارع ومحاولة لجم الأزمات البنيوية المتراكمة.
ومع دخولنا عام 2026، يقف الإطار التنسيقي أمام استحقاقات مصيرية تتطلب الانتقال من عقلية "إدارة الأزمات اليومية" إلى أفق "بناء الدولة المستقرة"، وتحديدا في ملفات السيادة، الأمن، الاقتصاد، والعلاقات الدولية.
أولا: قراءة في طريقة إدارة الإطار التنسيقي للسلطة اتسمت طريقة إدارة الإطار التنسيقي للحكم من خلال حكومة السوداني بآليتين رئيسيتين:
أ- دبلوماسية الخدمات والمنجز السريع: أدرك الإطار أن استعادة ثقة الشارع العراقي تمر عبر بوابة الإعمار؛ لذا ركّزت الحكومة على مشاريع فك الاختناقات المرورية، تطوير البنى التحتية، وتحريك المشاريع المتلكئة. هذا التوجه منح النظام السياسي "جرعة أوكسجين" وشعورا عاما بالاستقرار الميداني.
ب- التوازن الداخلي الحذر: سعى الإطار إلى الحفاظ على ائتلاف "إدارة الدولة" (الذي يضم أيضا قوى كردية وسنية الى جانب الشيعية) عبر تقديم تنازلات متبادلة، وتجنب الصدامات الصفرية، مع محاولة استيعاب غياب التيار الصدري عن المشهد البرلماني عبر عدم استفزازه سياسيا.
رغم هذه النجاحات النسبية، شابت هذه المرحلة "ازدواجية القرار" في بعض الملفات السيادية، حيث تداخلت التزامات الحكومة الرسمية مع التوجهات الأيديولوجية لبعض فصائل الإطار، خاصة في أوقات الأزمات الإقليمية.
ثانيا: الخطوات الواجبة للنهوض بالعراق (سياسيا وأمنيا واقتصاديا) لكي يتحول هذا الاستقرار المؤقت إلى نهضة حقيقية المستدامة، يتعين على الإطار التنسيقي اتخاذ قرارات شجاعة وبنيوية:
أ- المسار السياسي والأمني: بسط السيادة واحتكار العنف الشرعي عبر المأسسة الشاملة، وتكون من خلال الدعم المطلق وغير المشروط لإنهاء مظاهر السلاح "خارج إطار الدولة"، وحصر قرار الحرب والسلم تماما بيد القائد العام للقوات المسلحة.
ب- حسم هوية الفصائل: يجب على الإطار، بوصفه الراعي السياسي، إلزام كافة الأجنحة المسلحة بالتخلي التام عن ترسانتها العسكرية خارج إطار الدولة، وتحويل هيئة الحشد الشعبي إلى مؤسسة عسكرية مهنية خاضعة بالكامل للضوابط الرسمية، بعيدا عن التأثيرات الحزبية.
ت- إصلاح النظام الانتخابي والمصالحة: بناء بيئة سياسية جاذبة وتنافسية تضمن عودة القوى المقاطعة (كالتيار الصدري والقوى المعارضة) إلى التنافس المدني، لحماية النظام من هزات الشارع المفاجئة.
2. المسار الاقتصادي: من الريعية إلى التنمية المستدامة
أ- تفعيل مشاريع الاستراتيجية الكبرى: يجب ألا يقتصر الطموح على تعبيد الطرق، بل بتبني مشاريع عملاقة مثل "طريق التنمية" وتطوير "ميناء الفاو الكبير"، وتحويل العراق إلى ممر تجاري دولي يربط الشرق بالغرب.
ب- تجفيف منابع الفساد وهيكلة المال: ضرب اقتصادات الظل التابعة لبعض القوى السياسية، والسيطرة التامة على المنافذ الحدودية، والاستمرار في أتمتة النظام المصرفي لدمجه بالنظام المالي العالمي، بناء على توصيات البنك الدولي.
ت- شراء السلاح ودعم الإعمار: رصد موازنات استثمارية لشراء الأسلحة المتوسطة من العشائر والأفراد، وتحويل تلك الأموال نحو مشاريع تشغيل الشباب للحد من البطالة المسببة للاضطراب الأمني.
ثالثا: بناء علاقات متوازنة وطويلة الأمد مع العالم والقوى العظمى يفرض الموقع الجيوسياسي للعراق أن يتبنى الإطار التنسيقي عقيدة خارجية قائمة على "التوازن الإيجابي والمصالح المشتركة"، بدلا من سياسة المحاور.
أ- العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية (شراكة لا تبعية ولا عداء): يجب الانتقال بالعلاقة مع واشنطن من الإطار العسكري الصرف (التحالف الدولي) إلى تفعيل كامل لبنود "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" في مجالات التكنولوجيا، التعليم، الطاقة، والاستثمار. يحتاج العراق إلى التكنولوجيا الأمريكية لتطوير حقوله النفطية والغازية وتحلية المياه.
ب- العلاقة مع القوى العظمى الناشئة (الصين وروسيا): الانفتاح على بكين عبر اتفاقيات البنى التحتية المقابلة للنفط، والاستفادة من القدرات الروسية في مجال الطاقة، شريطة أن يتم ذلك ببراغماتية لا تستفز النظام المالي الغربي الذي يسيطر على عائدات النفط العراقية.
ت- تصفير الأزمات الإقليمية: الاستمرار في لعب دور "الوسيط والمصلح" في الشرق الأوسط (كما حدث في تقريب وجهات النظر بين القوى الإقليمية)، مما يجعل من بغداد نقطة التقاء للمصالح الدولية، وليست ساحة لتصفية الحسابات.
إن نجاح الإطار التنسيقي في إدارة العراق لا يُقاس بمدى قدرته على البقاء في السلطة، بل بمدى شجاعته في بناء دولة المؤسسات. إن العراق يمتلك اليوم في عام 2026 فرصة تاريخية بفضل الوفرة المالية والاستقرار الأمني النسبي؛ وتحويل هذا الاستقرار إلى نهضة دائمة يتطلب تغليب مصلحة "الدولة" على مصلحة "المكون أو الحزب"، وصناعة سياسة خارجية تحترم سيادة العراق وتجعل منه شريكا موثوقا للعالم وبوابة للتنمية الجيوسياسية في المنطقة، وهذا ما بدأت بعض القوى السياسية العمل على تحقيقه، خصوصا بعد مضيها الفعلي في عملية حصر السلاح بيد الدولة.