واشنطن تريد العراق.. لكن طهران وبكين لن تتخليا عنه
Forbes
CROSS LINES
F
Forbes
المصدر الأصلي
في 14 يوليو/تموز، استقبل دونالد ترامب رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، في المكتب البيضاوي، وقال للصحفيين إن بين الرجلين «انسجاماً هائلاً». وبعد يومين فقط، كان الزيدي في مدينة هيوستن يصافح مسؤولين تنفيذيين من شركات هاليبرتون، وشل، وبيكر هيوز، وويذرفورد، وجنرال إلكتريك فيرنوفا.
US President Donald Trump meets with Prime Minister of Iraq Ali al-Zaidi (L) in the Oval Office of the White House in Washington, DC, on July 14, 2026. (Photo by SAUL LOEB / AFP via Getty Images)Less AFP via Getty Images
وعندما عاد إلى بلاده، كان العراق قد وقّع 48 اتفاقية مع شركات أميركية، وطرح رقماً يصل إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال خمسة أعوام، وهو مبلغ كفيل بإعادة تشكيل قطاع النفط العراقي لجيل كامل.
وقد تصدرت هذه الاتفاقيات عناوين الأخبار، لكن القصة الأكثر أهمية تتمثل في الكيفية التي سيوازن بها العراق بين الضغوط الأميركية من جهة، ونفوذ كل من إيران والصين من جهة أخرى.
ناقشتُ هذه الزيارة مع أحمد الوندي خلال مقابلة ضمن برنامج «Cross Lines»، وهو برنامج للشؤون السياسية الراهنة كنت أشارك في تقديمه مع بيرق فيصل غازي على قناة العهد.
وتحدث الوندي، نائب رئيس مؤسسة غدان لإدارة المخاطر والمدير التنفيذي لمنتدى بغداد الدولي للطاقة، عن قدرة العراق على استقطاب الأموال الأميركية من دون قطع علاقاته مع طهران وبكين، وهما القوتان الأخريان اللتان يعتمد عليهما العراق بصورة كبيرة.
هذه ليست فرضية نظرية.
فرئيس الوزراء يشغل منصبه جزئياً بسبب تدخل واشنطن لمنع وصول شخصية اعتبرتها شديدة القرب من إيران إلى رئاسة الحكومة. وكان التحالف البرلماني المهيمن في العراق قد اصطف في البداية خلف نوري المالكي، الذي نظرت إليه إدارة ترامب على أنه قريب أكثر مما ينبغي من طهران.
لكن علي الزيدي، وهو رجل أعمال لم يسبق له العمل السياسي، برز لاحقاً بوصفه مرشحاً توافقياً. ووصل إلى واشنطن وهو ملتزم مسبقاً بنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وهو الموعد المحدد لمغادرة القوات الأميركية البلاد.
يشرح الوندي منطق واشنطن بالقول:
«وفقاً للنهج الجديد الذي تتبعه الولايات المتحدة في مجال الأمن القومي، باتت الأصول والمصالح الأميركية في الخارج تُعد بصورة متزايدة جزءاً من أمنها القومي. وبالنسبة إلى العراق، فإن وجوداً تجارياً أميركياً أكبر قد يمنح واشنطن مصلحة أقوى في استقرار البلاد».
هذه هي الصفقة التي تعرضها واشنطن على بغداد: اسمحوا لشركات مثل شيفرون وإكسون موبيل بالدخول، وستتحول المصلحة الذاتية الأميركية إلى شكل من أشكال الحماية.
لكن ذلك يعني أيضاً أن واشنطن ستكتسب مصلحة متزايدة في تحديد الجهات الأخرى التي يُسمح لها بالعمل في العراق، والشروط التي ستعمل بموجبها.
فهل تستحق هذه الصفقة أن يقبل بها العراق؟ Gas flares at an oil refinery near Iraq's receding marshes of Hawizeh, which straddle the border with Iran, in the southeastern Missan province on April 25, 2025. (Photo by Asaad NIAZI / AFP) (Photo by ASAAD NIAZI/AFP via Getty Images)
... More
AFP via Getty Images
من الجدير بالذكر أن العراق وإيران خاضا حرباً استمرت ثمانية أعوام خلال ثمانينيات القرن الماضي، وأدت إلى مقتل مئات الآلاف من الجانبين، وربما ما يقارب المليون شخص وفق بعض التقديرات.
لكن منذ أن أطاح الغزو الأميركي بصدام حسين عام 2003، وأقام حكومات تقودها قوى شيعية في بغداد، طوّر العراق علاقات سياسية ودينية واقتصادية عميقة مع الجار الذي كان يحاربه في السابق.
ومن بين أبرز مظاهر هذه العلاقة شبكة الكهرباء الوطنية العراقية، التي اعتمدت لسنوات على الطاقة والغاز المستوردين من إيران.
وكانت إدارة ترامب الأولى قد منحت العراق إعفاءً يسمح له بمواصلة شراء الكهرباء الإيرانية رغم العقوبات. إلا أن إدارة ترامب الثانية تركت هذا الإعفاء ينتهي في مارس/آذار 2025، في إطار حملة «الضغط الأقصى» الأوسع على إيران.
وحذرت وزارة الكهرباء العراقية من أن فقدان الإعفاء الموازي المتعلق باستيراد الغاز الإيراني سيؤدي إلى حرمان البلاد من نحو 30 في المئة إضافية من إمداداتها الكهربائية.
أما موقع الصين في العراق، فهو لا يقل عمقاً.
فما بين نصف وثلثي إنتاج العراق النفطي يأتي حالياً من حقول تمتلك فيها الشركات الصينية حصة بوصفها مستثمراً أو مشغلاً أو مقاولاً للخدمات النفطية، وفقاً لمعهد «كلينغندايل» الهولندي.
ورغم أن النفط ملك للعراق، فإن بغداد تدفع للشركات الأجنبية مقابل تطوير الحقول وتشغيلها، فيما تتولى شركات صينية مملوكة للدولة إدارة عدد كبير من تلك الحقول.
كما ظلت الصين لفترة طويلة أكبر مشترٍ منفرد للنفط الخام العراقي، رغم أن أرقام التجارة الشهرية شهدت تقلبات حادة خلال العام الماضي.
وقد اكتشف العراق هذا العام مدى هشاشة موقعه واعتماده على هذه المسارات.
فعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، شهد العراق انهياراً حاداً في صادراته النفطية.
وعلى خلاف السعودية والإمارات، وهما الدولتان الخليجيتان الوحيدتان اللتان تمتلكان خطوط أنابيب تتيح لهما تجاوز مضيق هرمز، وجد العراق نفسه عاجزاً عن تصدير نفطه بصورة طبيعية.
وانخفضت صادراته من نحو 4.5 ملايين برميل يومياً إلى أدنى مستوى بلغ 1.4 مليون برميل يومياً في مايو/أيار.
وكان ذلك كله نتيجة وقوع العراق في موقع المتفرج على حرب يخوضها الآخرون.
لذلك، لا يتعامل العراق مع مسألة نظرية أو مجردة.
فلديه علاقة مع إيران تمتد عبر شبكة الكهرباء والبرلمان والفصائل المسلحة، وعلاقة مع الصين تمر عبر آبار النفط وعقود التصدير.
وفي الوقت نفسه، يحاول بناء علاقة أميركية جديدة وطموحة فوق هاتين العلاقتين، وهي علاقة تصفها العقيدة الأميركية نفسها بأنها مسألة أمن قومي، وليست مجرد تجارة اعتيادية.
يرى الوندي أن العراق ليس مضطراً إلى اختيار مسار واحد.
ويقول إن الشركات الصينية «ساعدت في الحفاظ على مستوى الإنتاج العراقي خلال فترة صعبة، ولا ينبغي الآن إبعادها لمجرد أن بغداد تسعى إلى جذب مشاركة غربية أكبر».
ومن وجهة نظره، تمتلك بغداد أوراق قوة يمكن استخدامها، وليست مجرد نقاط ضعف أو التزامات ثقيلة.
وقال لي:
«تستخدم الصين أيضاً نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي لحماية مصالحها. وفي الوقت نفسه، يرغب العراق في مشاركة أكبر من الشركات الأميركية والغربية الأخرى. وهذا سيؤدي حتماً إلى منافسة وإلى قدر من المقاومة من جانب المصالح الصينية الراسخة».
من صاحب القرار فعلياً؟
BAGHDAD, IRAQ - FEBRUARY 22: Iraqi Prime Minister Mohammed Shia al-Sudani (C) and U.S. Special Representative for Syria Tom Barrack (L) attend a signing ceremony for energy agreements between Iraqi government and the US-based company Chevron Corporation for the development of oil fields in the provinces of Basra, Dhi Qar and Saladin, on February 22, 2026. (Photo by Iraqi Prime Ministry Press Office / Handout/Anadolu via Getty Images) ... More Anadolu via Getty Images
تشير قضية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى أن الاحتكاك يتجاوز مجرد المنافسة على العقود.
فواشنطن لم تنتظر العراق حتى يختار رئيساً للوزراء، ثم تبدأ التفاوض مع الفائز. بل زادت الضغط تدريجياً على فكرة الحياد العراقي نفسها، من خلال الإعفاءات، والفصائل المسلحة، والمرشحين لرئاسة الحكومة.
وبحسب هذا المنظور، فإن الاتفاقيات التي وُقعت في واشنطن وهيوستن تمثل مكافأة للعراق على إعادة تموضعه باتجاه الغرب، حتى قبل وصول رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة.
وقال الوندي إن «تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه مصلحة وطنية»، عبر خريطة سياسية عراقية تكاد لا تتفق على أي قضية أخرى.
وبالفعل، فإن الائتلاف الداخلي الداعم لهذا التوجه يضم قوى سياسية شيعية وسنية وكردية.
وهذا يشير إلى وجود توافق داخلي واسع وقابل للاستمرار، وليس مجرد ترتيب مفروض بالكامل من الخارج، حتى وإن كانت واشنطن قد ساعدت في تمهيد الطريق.
كما أن العلاقة مع الصين سبقت حملة الضغوط الحالية بفترة طويلة، وقد بُنيت في الوقت الذي انسحبت فيه شركات النفط الغربية الكبرى من الحقول العراقية.
وبالتالي، فإن الاختبار الواقعي لموقع العراق لا يتمثل في ما إذا كانت بغداد ستعلن رسمياً اختيارها لأحد الأطراف.
فوصول علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة يظهر مقدار قدرة واشنطن على التأثير في هذا الاختيار، من دون أن يعلن العراق رسمياً انضمامه إلى معسكر بعينه.
أما الاختبارات الأكثر تحديداً وواقعية، فتتمثل في معرفة ما إذا كانت الفصائل ستتخلى فعلاً عن سلاحها بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وما إذا كانت إعفاءات الكهرباء والغاز ستستمر بشكل أو بآخر، وما إذا كانت عقود الإنتاج الصينية ستُعاد صياغتها، أم ستواصل العمل بالتوازي مع العقود الأميركية الجديدة.
ويصر الوندي على أن العراق قادر على السير فوق هذا الحبل الدقيق، قائلاً:
«تكمن الميزة الاستراتيجية للعراق في الحياد المدروس. فالانحياز بصورة حادة إلى أحد الأطراف سيخلق عقبات، وسيجعل من الصعب على الحكومة الوفاء بوعودها الاقتصادية».
هذه هي المراهنة التي تقوم عليها الاستراتيجية العراقية: أن يظل العراق مهماً ومفيداً لواشنطن وطهران وبكين في الوقت نفسه، بدلاً من أن يكون مفيداً لطرف واحد فقط.
لكن العقيدة الأميركية نفسها تتعارض مع هذا النوع من الموازنة، لأنها تنظر إلى الوجود التجاري الأميركي في الخارج بوصفه أصلاً من أصول الأمن القومي، وقد تطلب في نهاية المطاف من العراق أن يختار الفريق الذي يريد الوقوف إلى جانبه.