مضيق هرمز يفضح هشاشة الاقتصاد العراقي .. والحلول الاقتصادية مؤلمة
ريام جمال
بقلم — كاتب CROSS LINES
في هذا المقال.. نتتبع التسلسل الحتمي للأحداث التي قادت العراق إلى هذه النقطة الحرجة في خارطة الاقتصاد، وكيف تحولت الأزمة من تهديد جيوسياسي إلى فرصة إجبارية للإصلاح؟
لم يكن إغلاق مضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة فيه مجرد أزمة عابرة للعراق، بل كان بمثابة الهزة الارتدادية التي ضربت العمق المالي للبلاد، لتكشف عن هشاشة هيكلية تراكمت على مدار عقدين من الزمن. اليوم، يجد العراق نفسه أمام التحدي المالي الأصعب حيث بات الشريان الرئيسي لصادراته النفطية ومصدر إيراداته شبه الوحيد مهدداً بالتوقف الكامل، مما يضع الحكومة أمام خيارات مصيرية لإعادة رسم خارطة البلاد الاقتصادية.
الجذور (2003 - 2026).. عشرون عاماً من الفخ الريعي تبدأ القصة من الجذور، فمنذ عام 2003، رسمت الملامح الاقتصادية للعراق على أساس الاقتصاد الريعي المطلق، حيث تدفقت أموال النفط لتغطي أكثر من 90% من موازنة الدولة. هذا الاعتماد الكلي أغفل حقيقة خطيرة، أن هذا النفط يمر عبر ممر مائي واحد شديد الحساسية والتوتر وهو مضيق هرمز. ويصف أستاذ الاقتصاد السياسي، حسين الفلوجي في تصريح صحفي، هذه المرحلة بأنها شهدت تراكم الخطأ تلو الآخر، قائلاً: نحن الآن في الفصل الأخير والنتيجة الحتمية للأخطاء المتراكمة طيلة العشرين سنة الماضية، والكل بدأ يستشعر الخطر".
إغلاق المضيق وشلل الشريان النفطي مع تصاعد التوترات الإقليمية الأخيرة، تحول السيناريو الأسوأ إلى واقع ملموس بإغلاق مضيق هرمز، هنا انقطعت حركة الملاحة، ووجد العراق نفسه معزولاً بحرياً عن أسواقه الدولية. ويترجم الخبير الاقتصادي العراقي، عبد الرحمن المشهداني، حجم هذه الصدمة بلغة الأرقام الصادمة، موضحاً أن تعطل الملاحة في موانئ البصرة يعني عملياً توقف تصدير نحو 3.3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام. وما زاد الطين بلة، هو الانسداد الرقمي في المنافذ البديلة، فالأزمة جاءت في توقيت متأخر ومتراكم ماليا، في وقت لا يزال فيه خط التصدير عبر ميناء جيهان التركي متوقفاً وحتى في حال إعادة تشغيله، يؤكد المشهداني أن قدرته التصديرية لا تتجاوز 230 ألف برميل يومياً، أي أقل من 7% من إجمالي الصادرات المعتادة، وهي نسبة عاجزة تماماً عن سد العجز المفاجئ.
الاستجابة العاجلة.. البحث عن مسارات برية بديلة أمام هذا الشلل المالي، يجب على صناع القرار في بغداد عدم البقاء في ممر الموت الاقتصادي ، والتحرك سريعاً نحو تسريع خطط التحول إلى التصدير البري وتنويع طرق الإمداد عبر عدة مسارات استراتيجية ابرزها: طريق التنمية الاستراتيجي: الإسراع في ربط ميناء الفاو الكبير بشبكة سكك حديدية وطرق برية تمر عبر تركيا وصولاً إلى أوروبا، لتحويل العراق إلى ممر تجاري عالمي يضمن تدفق إيرادات غير نفطية. مشروع خط (بصرة - حديثة): لتوفير مرونة برية تتيح نقل النفط الخام باتجاه موانئ البحر المتوسط في تركيا وسوريا. مشروع خط (بصرة - العقبة): لتأمين منفذ بري إضافي لتصدير النفط عبر موانئ المملكة الأردنية الهاشمية. إعادة إحياء الأنابيب القديمة: فتح ملفات خطوط الأنابيب التاريخية المعطلة لبحث إمكانية صيانتها وتشغيلها بشكل طارئ.
لغز المستقبل.. حسم الهوية الاقتصادية مؤجل رغم أن المشاريع البرية تمثل حلولاً جغرافية للأزمة، إلا أن الضغوط الدولية لا سيما من صندوق النقد الدولي بدأت تضغط باتجاه معالجة أصل المشكلة بنية الاقتصاد العراقي نفسه وهنا يعود أستاذ الاقتصاد السياسي حسين الفلوجي ليؤكد أن العراق يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما .. إما انتظار الانهيار الشامل أو البدء فورا في مرحلة المعالجات المؤلمة ويرى الفلوجي أن أولى خطوات هذه الجراحة المؤلمة تبدأ من إعادة تعريف الهوية الاقتصادية للبلاد، والإجابة بكل صراحة عن سؤال النموذج الاقتصادي: هل ستظل الدولة اللاعب والمشغل الرئيسي والوحيد للنشاط الاقتصادي، أم ستتراجع خطوة للخلف لتكتفي بالتنظيم والرقابة وتفسح المساحة الكافية للقطاع الخاص؟
مضيق هرمز لم يكن صانع للأزمة إن أزمة مضيق هرمز لم تكن صانعة للمشكلة، بل كانت الكاشف الفاضح لها وبدون حسم هوية الاقتصاد العراقي وإيجاد حلول جذرية تخرج البلاد من عباءة الدولة الريعية، ستبقى خطط الطوارئ مجرد مسكنات مؤقتة، ويبقى مصير ملايين العراقيين معلقاً بأمن ممر مائي يقع خارج حدودهم.