بين كييف وطهران.. المكاسب الروسية في زمن تعدد الحروب
فراس البدر
بقلم — كاتب CROSS LINES
مسار الحرب الايرانية - الاميركية الاسرائيلية في الشرق الاوسط ومالآتها وتداعياتها على الحرب الاوكرانية الروسية وما الرابط بينهما من حيث موازين القوى وتحديد المنتصر فيها ..
الحرب الروسية الاوكرانية الممتدة منذ نيسان 2022 حتى الان والصراع الدائر في الشرق الاوسط وتداعياته على مستوى تغير خارطة النفوذ العالمي , نلتمس وفقا للقراءات والتقارير والبيانات أن الدب الروسي هو أكثر الاطراف المستفيدة من الحربين اقتصاديا وعسكريا ونفوذا بنقاط جوهرية للعقود القادمة ...
التوترات في الشرق الأوسط كلها تصب في مصلحة موسكو وروسيا هي المستفيد الاول من ما يجري في الحربين بتعاضد قوتها اقتصاديا ودعمها عسكريا وفشل منافسوها عالميا وهنا نقصد الولايات المتحدة والناتو والاوروبيين , اذ تفيد مؤشرات عديدة بأن موسكو قد تكون من أبرز المستفيدين من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط , وسط تعاظم المكاسب الروسية يقابلها تراجع باولوية أميركا تجاه اوكرانيا وما خسرته على المستوى العسكري في حرب إيران , وهو ما يلقى بظلاله على مجابهة الستراتيجية الروسية الحمراء وفقا للقراءات الدولية .
تشير التقديرات الى ان حرب إيران لها تأثير كبير عما يجري في الساحة الاوكرانية الروسية من تداعيات كثيرة واهمها انخفاض الدعم الاميركي لكييف وهي تدعمها وتمولها عسكريا منذ بداية الحرب مع روسيا , بالاضافة عن مساندتها وتجهيزها بالاسلحة الستراتيجية , وهو الامر الذي توقف ولو بنسبة كبيرة كما كان عليه قبل الحرب مع استنزاف الجهد العسكري لواشنطن خلال المعرك في الشرق الاوسط ,,
وبحسب موقع تتبع الصراعات العالمي فقد تجاوزت قيمة المساعدات الاميركية التقديرية لاوكرانيا 180 مليار دولار ونحو 190 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي , في حين قدمت واشنطن أكثر من 69 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة تشمل الأسلحة والذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب الدعم الاستخباراتي والاقتصادي لتعزيز قدرة كييف في حربها ضد روسيا.
هذه الإمدادات كانت تغطي قرابة 40 بالمئة من إجمالي الاحتياجات الدفاعية لأوكرانيا كما كشفته شبكة السي ان ان الاميركية , فضلا عن مليارات الدولارات لدعم استقرار الاقتصاد الأوكراني ما اجبر كييف على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وتقليل فاعلية دفاعاتها الجوية بعد تقييد خيارات واشنطن في تزويد أوكرانيا بأسلحة وصواريخ هجومية وعدم توفير الإمدادات العسكرية اللازمة لكييف.
الخطوة الثانية وهي الاهم فقد أدى اغلاق الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم جراء تداعيات الحرب مع تقليص إنتاج كبار منتجي الطاقة في منطقة الخليج وبالتالي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وقفزات كبيرة بأسعار الطاقة عالميا , هذا الامر جعل من موسكو لها الافضلية عبر زيادة صادراتها النفطية إلى الأسواق الرئيسية في آسيا مثل الهند والصين غير متاثرة باغلاق هرمز ما اضاف نقطة في تعزيز اقتصادها وزيادة عائداتها النفطية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط لتمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.
صرف انظار الولايات المتحدة عن اوكرانيا وانشغالها بالمحادثات الايرانية وبنود التفاوض الدبلوماسية , كذلك الجهود الحثيثة لاعادة فتح مضيق هرمز وتثبيت النقاط الرئيسية في منع طهران من امتلاك القنبلة النووية وتسليم الغبار الذري وتدميره , نقاط تشغل بال واشنطن بعيدا عن الدعم الاوكراني ومالآت الحرب مع روسيا ,..
تعطل المباحثات الثلاثية بين واشنطن وموسكو وكييف مرة في ولاية فلوريدا ومرة في ابو ظبي , منح موسكو افضلية المعركة في رسم الاهداف الستراتيجية التي تريد تنفيذها على ارض الواقع والاستحواذ على الاراضي والمقاطعات باقل الجهود قبل ان تكون قاب قوسين او ادنى من حرب عالمية تقودها أميركا بمعية دول اوروبا والناتو وجميع المتحالفين معها , الا ان الحرب الايرانية وضعت هذه المخططات بمهب الريح لتأتي بخارطة جديدة للتحالفات والنفوذ الاقليمي .
ووفقا لوكالة أنباء موسكو فقد سيطرت قوات الجيش الروسي حاليا على ما يقارب 20 بالمئة من إجمالي مساحة الأراضي الأوكرانية بما فيها شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس التي تم الاستيلاء عليها قبل عام 2022 , فضلا عن أجزاء من مناطق دونيتسك، لوغانسك، زابوريجيا، وخيرسون في اطار تحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية وميدانية , كذلك الاستفادة بتحويل مسار صادرات موسكو من الطاقة إلى دول آسيا محققة مكاسب تجارية ملحوظة مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميا.
لا ننسى هنا ايضا التعريج على الجانب العسكري وما حصل في الميدان فقد استفادت موسكو ايضا من تجربة الاسلحة القديمة والحديثة في مسرح العمليات على الارض بتجربة الطائرات المسيرة الزهيدة الثمن بتعاون خاص مع ايران , وهو ما لم يتم تأكيده او نفيه حتى الساعة , حيث ادت تلك الطائرات الى استنزاف الدفاعات الجوية الاوكرانية بمبالغ كبيرة ..
في حين ذكرت صحيفة موسكو تايمز الروسية نقلا عن بيانات عسكرية لوكالة بلومبرج بأن إنتاج الطائرات الروسية قد تضاعف أكثر من مرتين مدفوعاً إلى حد كبير بزيادة في تصنيع الطائرات بدون طيار حتى مع استمرار تباطؤ النمو في قطاع الدفاع الأوسع ’ حيث تبرز البيانات كيف أصبح تصنيع الطائرات بدون طيار أحد أسرع القطاعات نمواً في اقتصاد روسيا في زمن الحرب عقب ارتفاع إنتاج قطاع الطيران الروسي، الذي يشمل الطائرات العسكرية والمسيرات، بنسبة 117% على أساس سنوي في نيسان بتسارع ملحوظ مقارنةً بمعدل النمو السنوي المتوسط البالغ 68% المسجل في عام 2025.
تجربة الصواريخ المتعددة والمنظومات الجوية والهجومية بالمقارنة مع أميركا التي استنزفت اسلحتها ومنظوماتها وصواريخها وترساناتها بالحرب في ايران ومساعدة اسرائيل ودعمها بالانظمة الاعتراضية التي استهلكتها الصواريخ الايرانية , وهو ما يورجح موازين القوى الستراتيجية العالمية في نظام جديد للدب الروسي الذي بات قريبا شيئا ما من احراز ما يريده ويطمع له في اوكرانيا بالسيطرة على الأراضي وإجبار كييف على التفاوض ومنع انضمام أوكرانيا للناتو وكسر العقوبات اضافة الى استنزاف الغرب .
ومع كل ما سبق فأن على الرغم من هذه المكاسب، فلا تزال موسكو تواجه تحديات كبيرة تتمثل في استمرار العقوبات الغربية، واستنزاف الموارد البشرية والعسكرية، فضلا عن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي ويبقى السؤال الأهم وهو ان هل تمثل المكاسب الروسية الحالية انتصارا استراتيجيا دائما، أم أنها مجرد فرصة مؤقتة فرضتها ظروف الشرق الأوسط ويمكن أن تتبدل مع أي تحول في موازين القوى الدولية؟.