مضى على نظام التدفئة المركزية نحو 150 عاماً، إذ أُنشئ أول نظام تجاري منه في نيويورك عام 1877، لكنه لا يزال محدود الانتشار. وكانت الأنظمة الأولى تعتمد على البخار الذي تنتجه مرجل مركزي يعمل بالوقود الأحفوري. غير أن هذه الأنظمة تطورت مع الوقت، وباتت شبكات التدفئة الحديثة تملك بنية أكثر مرونة، تتيح ربط عدة حلول للطاقة والتخزين معاً لتوفير التدفئة والتبريد.
وتغطي التدفئة المركزية حالياً نحو 10% من الطلب العالمي على تدفئة المباني، وتتركز معظم شبكاتها في شمال أوروبا وشرقها وفي الصين. وبدأت مناطق أخرى اعتماد هذا النظام أخيراً، ومنها كندا وأيرلندا. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تفيد التدفئة المركزية خصوصاً في المدن الكثيفة السكان، لأن إنشاءها لا يستهلك مساحات كبيرة، ولأنها تستعيد الحرارة المهدرة وتخفف تلوث الهواء المحلي.
وينتج نحو 90% من إمدادات التدفئة المركزية في العالم حالياً من الوقود الأحفوري. لكن هناك إمكانات كبيرة للانتقال من الوقود الأحفوري إلى بدائل متجددة لتشغيل هذه الأنظمة، مثل الطاقة الحيوية والطاقة الشمسية الحرارية والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية.
وفي ولاية نيويورك الأمريكية، يطالب ائتلاف «أبغريد نيويورك» (UpgradeNY)، الذي يضم جماعات للطاقة النظيفة والبيئة والعمال، الجهات التنظيمية باعتماد التدفئة الكهربائية النظيفة، عبر استبدال شبكات حرارية بأنابيب الغاز. ويرى الائتلاف أن استخدام المضخات الحرارية والاستفادة من مصادر الحرارة المهدرة، مثل باطن الأرض والأنظمة الصناعية والبلدية، يمكّنان الولاية من تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري.
وفي أكتوبر، وافقت هيئة الخدمات العامة في نيويورك على خطتين لشبكات الطاقة الحرارية التابعة لشركات المرافق، يُتوقع أن تبلغ كلفة تطويرهما معاً 111.5 مليون دولار. لكنها رفضت تسعة مشاريع أخرى من هذا النوع، بينها عدة مشاريع في مدينة نيويورك. وسيُنفَّذ المشروعان في بلدة هافرسترو في وادي هدسون وفي مدينة بافالو، وقد يشكلان نموذجاً لمشاريع مماثلة في مناطق أخرى من الولايات المتحدة إذا نجحا. ويأتي التمويل من التزام بقيمة 150 مليون دولار لشبكات الطاقة الحرارية، ما يضمن عدم تحميل الكلفة للمستهلكين.
وتعتمد شبكات الطاقة الحرارية على آبار وأنابيب تدور فيها المياه أو سوائل أخرى، فتلتقط حرارة باطن الأرض على عمق مئات الأقدام، إضافة إلى الحرارة المهدرة من شبكات الصرف الصحي والمنشآت الصناعية ومراكز البيانات. ويرفع هذا التبادل الحراري المستمر كفاءة المضخات الحرارية العاملة بالكهرباء، وهي تحل محل المراجل والأفران العاملة بالغاز. ويُتوقع أن يوفّر إنشاء هذه الأنظمة عدداً من الوظائف في المنطقة خلال مرحلة البناء.
وقد أنجزت ولاية ماساتشوستس بالفعل مشروعاً من هذا النوع يوفر التدفئة والتبريد لنحو 140 مشتركاً. وتدرس ولايات كاليفورنيا وكولورادو ومينيسوتا وواشنطن إمكانية إقامة مشاريع مماثلة. غير أن الغموض لا يزال يحيط بكلفة إنشاء هذه الأنظمة وتشغيلها، لأن معظم المشاريع القائمة صغيرة الحجم ولا تعطي صورة واضحة عن شكل التطبيق التجاري الواسع.
وتعتزم هيئة الخدمات العامة في نيويورك استثمار 50 مليون دولار في إنشاء شبكة الطاقة الحرارية في هافرسترو، لربط ما يصل إلى 30 مبنى، بينها منازل لأسرة واحدة ومبانٍ سكنية متعددة الأسر ومبانٍ تجارية وحكومية ومدرسة ابتدائية. وصُممت الشبكة لالتقاط الحرارة المحيطة من حقول آبار محفورة في أراضٍ بلدية، ومن مياه الصرف في شبكة المجاري بالمدينة.
أما مشروع بافالو فسيعتمد على نظام تدفئة بالبخار قائم. وستتخلى شركة «ناشونال فيول غاز» (National Fuel Gas) عن استخدام الغاز الطبيعي في التدفئة بالمنطقة، عبر الجمع بين مياه الآبار ونظام لاستعادة الحرارة من مياه الصرف. وتخطط الشركة لتوفير التدفئة والتبريد النظيفين لمبانٍ سكنية متعددة الأسر لذوي الدخل المحدود.
وفي أغسطس، أعلنت هيئة النقل الحضري (MTA) أنها ستدرس ما إذا كانت شبكة طاقة حرارية قادرة على خفض درجات الحرارة على أرصفة محطات المترو في جنوب مانهاتن، مع نقل الحرارة الفائضة إلى مبانٍ بلدية مجاورة. وتركز دراسة الجدوى، البالغة كلفتها 800 ألف دولار، على مجمع محطتي بروكلين بريدج–سيتي هول (خطوط 4 و5 و6) وتشامبرز ستريت (خطا J وZ). وإذا نُفذ المشروع، فسيكون أول شبكة طاقة حرارية تُقام في نظام نقل عام في الولايات المتحدة.
وسجلت محطة بروكلين بريدج–سيتي هول متوسط درجات حرارة على الأرصفة بلغ 35.6 درجة مئوية في صيف 2025، ما جعلها من أشد محطات مترو المدينة حرارة. وتقضي الشبكة المقترحة باستخدام التبريد الإشعاعي لامتصاص الحرارة من الرصيف ونقلها عبر أنابيب إلى آبار جوفية حرارية تقع تحت رصيف أوسط مهجور في محطة تشامبرز ستريت. وهناك تُخزَّن الحرارة تحت الأرض، ثم تُستعاد في الطقس البارد لتدفئة المباني البلدية القريبة.
وتعمل أنظمة التدفئة المركزية منذ أكثر من قرن، لكن معظمها ما زال يعتمد بشدة على الغاز الطبيعي في التدفئة والتبريد. وتدرس مناطق عدة في العالم اليوم تكييف هذه الأنظمة للاستفادة من الحرارة المهدرة، التي تكثر في المناطق المكتظة بالسكان والعمليات الصناعية، ونقلها إلى المباني المجاورة. ومن شأن ذلك أن يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويوفر أنظمة تدفئة وتبريد أنظف.
نيويورك تحوّل الحرارة المهدرة إلى طاقة نظيفة
وافقت هيئة الخدمات العامة في ولاية نيويورك على مشروعين لشبكات الطاقة الحرارية في هافرسترو وبافالو بكلفة إجمالية تبلغ 111.5 مليون دولار، ورفضت تسعة مشاريع أخرى. وتعتمد هذه الشبكات على الحرارة الجوفية والحرارة المهدرة من الصرف الصحي والمنشآت الصناعية لتشغيل مضخات حرارية كهربائية بدل المراجل العاملة بالغاز.
ترجمة وتحرير كروس لاينز
شارك المقال
#نيويورك#التدفئة المركزية#الطاقة الحرارية#المضخات الحرارية#الحرارة المهدرة#الطاقة النظيفة
المصدر الأصلي: Oil Price