العراق في مواجهة الفساد.. من ملاحقة المتورطين إلى تفكيك المنظومة
CROSS LINES
وفاء الفتلاوي
بقلم — كاتب CROSS LINES
يتناول المقال أهمية ملف مكافحة الفساد في العراق بوصفه أحد أبرز التحديات التي واجهت الدولة منذ عام 2003، وما خلّفه من آثار سلبية على الاقتصاد والخدمات وثقة المواطنين. ويستعرض جهود الحكومة الحالية، ولا سيما حملة "الفجر"، في ملاحقة المتورطين واستعادة الأموال العامة، مع التأكيد أن نجاح هذه الجهود يتطلب إرادة سياسية ودعماً من القوى السياسية كافة. ويرى المقال أن مكافحة الفساد لا تتحقق عبر الاعتقالات وحدها، بل من خلال تفكيك شبكات الفساد، ومحاسبة كبار المتورطين، وتعزيز دور القضاء والرقابة، وإصلاح بيئة الإدارة العامة، بما يسهم في استعادة هيبة الدولة وترسيخ سيادة القانون وبناء ثقة المواطن بالمؤسسات.
العراق في مواجهة الفساد.. من ملاحقة المتورطين إلى تفكيك المنظومة بقلم: وفاء الفتلاوي كاتبة وإعلامية لم يعد ملف مكافحة الفساد في العراق مجرد ملف قضائي أو إداري محدود بل تحول خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شغلت الساحة الوطنية لما تركه من آثار عميقة على أداء مؤسسات الدولة، والاقتصاد ومستوى الخدمات وثقة المواطن بقدرة النظام السياسي على حماية المال العام.
فمنذ عام 2003، ظل الفساد يمثل تحديا مركزيا أمام بناء الدولة وسط تقارير وملفات متراكمة تحدثت عن خسائر كبيرة طالت قطاعات مختلفة من المشاريع العامة إلى المنافذ الاقتصادية والإدارية الأمر الذي جعل مكافحة هذه الظاهرة مطلبا شعبيا مستمرا لا سيما أن المواطن العراقي كان يرى انعكاساتها المباشرة في حياته اليومية.
وفي هذا السياق فإن الخطوات التي تتخذها الحكومة الحالية في فتح ملفات الفساد وملاحقة المتورطين تحظى بأهمية سياسية وشعبية باعتبار أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج قبل كل شيء إلى قرار سياسي واضح وإرادة حقيقية لتطبيق القانون على الجميع.
ويكتسب هذا التحرك دعما من القوى السياسية التي شكلت الحكومة، وفي مقدمتها قوى الإطار التنسيقي إلى جانب مواقف عدد من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي تؤكد أهمية المضي في محاسبة المتورطين واستعادة هيبة الدولة فهذا الملف لا يمكن أن ينجح إذا بقي محصورا داخل مؤسسة واحدة بل يحتاج إلى غطاء سياسي واسع يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الضيقة.
إن أهمية أي حملة لمكافحة الفساد لا تكمن فقط في عدد الإجراءات المتخذة بل في طبيعة الملفات التي تستهدفها ومدى قدرتها على الوصول إلى مراكز الفساد الحقيقية والشبكات التي راكمت الأموال والنفوذ عبر استغلال مواقعها داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، جاءت حملة "الفجر" لتسلط الضوء على حجم الملفات التي يجري التعامل معها بعدما أعلنت الجهات المعنية ارتفاع قيمة الأموال المضبوطة إلى (127) مليار دينار عراقي و(24) مليون دولار فضلا عن حجز عقارات وعجلات ومصوغات ذهبية مع استمرار التحقيقات لملاحقة بقية المتورطين واستكمال الإجراءات القانونية.
كما أن وصول الإجراءات إلى نواب ومسؤولين كبار في مؤسسات الدولة يمثل مؤشرا مهما على أن الحملة لا تستهدف حلقات محدودة فقط، بل تحاول التأكيد على مبدأ أساسي وهو أن المسؤولية والموقع الوظيفي لا ينبغي أن يكونا حصانة أمام المساءلة عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
لكن النجاح الحقيقي لأي مشروع لمكافحة الفساد لا يقاس فقط بحجم الأموال المضبوطة أو بعدد المعتقلين فهذه الإجراءات تمثل بداية الطريق وليست نهايته فالمطلوب هو الانتقال من ملاحقة النتائج إلى معالجة الأسباب ومن التعامل مع حالات منفردة إلى تفكيك البيئة التي سمحت بظهور شبكات الفساد ونموها.
فالعراق بحاجة إلى استهداف ركائز الفساد ومصادر تمويله والجهات التي توفر الحماية أو الغطاء لمنظوماته والوصول إلى ما يعرف بـ"الحيتان الكبيرة" التي كان لها الدور الأكبر في بناء شبكات المصالح غير المشروعة إذ إن محاسبة بعض المتورطين مهما كانت أهميتهم لن تكون كافية إذا بقيت البيئة المنتجة للفساد قائمة.
وفي المقابل فإن قوة الدولة في مواجهة الفساد لا تقاس بالمظاهر العسكرية أو المشاهد الاستعراضية المصاحبة لعمليات الاعتقال بل بقدرة المؤسسات القضائية والرقابية على بناء ملفات رصينة وإجراء محاكمات عادلة واستعادة الأموال ومنع تكرار التجاوز على المال العام.
فمكافحة الفساد ليست معركة إعلامية قصيرة الأمد وإنما مشروع إصلاح طويل يحتاج إلى تطوير أنظمة الرقابة وتعزيز الشفافية وتقليل فرص استغلال السلطة وبناء مؤسسات تعمل وفق معايير مهنية بعيدا عن تأثير المصالح الشخصية والسياسية.
إن الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها أمام اختبار مهم فالمواطن لا يريد فقط رؤية أسماء جديدة في الأخبار بل يريد أن يرى نتائج ملموسة تنعكس على حياته من خلال حماية المال العام وتحسين الخدمات وترسيخ مبدأ أن القانون فوق الجميع.
ولهذا فإن استمرار حملة مكافحة الفساد بجدية ومهنية واستهدافها لمراكز النفوذ الحقيقية سيكون خطوة مهمة في طريق استعادة ثقة المواطن بالدولة وتحويل هذا الملف من عنوان متكرر في الخطابات السياسية إلى مشروع وطني يعالج واحدة من أخطر الأزمات التي واجهت العراق خلال العقود الماضية.