قراءة تحليلية عن ازمة الرواتب في العراق ونظرة استقرائية عن استنتاجات التوجهات لمعالجتها والطرق المناسبة لمواجهتها بذكاء دون الوقوع في المحذور .
ماكو فلوس ... هذا ما ردده وزير الصحة العراقي في مؤتمر صحفي عقب تأخر رواتب الموظفين في تصريح شجاع يخرج من فم مسؤول بعد تغاضي الحكومة عن تأخر الرواتب وتململ الموظفين , هذا التصريح قابله اقرار المتحدت بأسم الحكومة بوجود أزمة مالية وفجوة بين إيرادات الدولة وحجم الإنفاق التشغيلي المخصص للرواتب وصعوبة تمويل ابواب الصرف للرواتب التي تعادل بحسب حديث الوزير نحو 10.8 تريليون دينار شهريا توزع على نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد ومستفيد بشبكة الرعاية الاجتماعية مع لجوء الحكومة الى الاقتراض الداخلي والحلول المصرفية السريعة لسد العجز المؤقت وضمان استمرارية تأمين المستحقات للموظفين والمتقاعدين .
أزمة تأخر الرواتب التي ستستمر لاشهر وربما الصرف لمدة 45 يوما لكل شهر , ناجم بشكل رئيس باعتماد العراق على الصادرات النفطية وايرادات تلك العوائد التي يتم تسلمها من البنك الفيدرالي الاميركي وهذا بحد ذاته قصة اخرى , الا ان توقف أكثر من 90 بالمئة من الصادرات العراقية عبر الخليج وازمة مضيق هرمز جعل العراق في حيرة من أمره بتمويل الرواتب والاجور الشهرية وهو ما يبرهن على فشل نظرية ومصداقية ان رواتب الموظفين والمتقاعدين مؤمنة بالكامل والحديث عنها خط أحمر لا سيما مع انهيار الايراد النفطي من 9 تريليونات الى 2 فقط في الاشهر الــ 3 الماضية وفقا لتصريح الخبير المالي والمصرفي الدكتور مصطفى اكرم حنتوش.
عجز الرواتب يتجاوز الثلاثة تريليونات و300 مليار دينار بحسب حديث وزير المالية وهو ما يدق ناقوس الخطر ويجعل لزاما على الدولة وضع الخطط والبرامج العاجلة والفورية لتأمين ميزانية الوراتب الشهرية لتفادي أي كارثة وشيكة مع تزايد حجم الصرفيات الحكومية والنثريات على المسائل غير المهمة تاركين قوت الموظفين واجورهم ومستحقاتهم .
تصريحات المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح بأن الحكومة تواجه ضائقة مؤقتة لا إفلاس وهي نتاج تذبذب أسعار النفط واعتماد الموازنة الشديد عليه وهو ما يؤكد نسبة الاستحواذ من الموازنة التشغيلية بالاعتماد على النفقات التي تمثل الرواتب والمنح بنحو 94 بالمئة من الإنفاق الفعلي للدولة وملف الرواتب وحده يلتهم ما قيمته 81 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة للدولة ولا تتجاوز حصة الإنفاق الاستثماري والتنموي نحو 6 بالمئة فقط من مجمل الموازنة التي يشكل الايراد النفطي 90 بالمئة منها بحسب ارقام وزارة المالية واللجنة المالية البرلمانية .
وبحسب احصاءات وزارتي المالية والتخطيط فأن عدد الموظفين على الملاك الدائم يبلغ نحو 4.5 مليون موظف حكومي يضاف اليها 2.9 مليون متقاعد مدني وعسكري , كذلك اعداد المشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية بمعدل 2.5 مليون أسرة بحيث يتجاوز عدد الأفراد الذين يتقاضون دخلا مباشرا من الدولة 8.5 إلى 9 ملايين مواطن، وهو ما يمثل نحو 20 بالمئة من إجمالي سكان العراق.
تفجر الكارثة المالية حصل بعد مناشدات ومطالب عديدة للحكومات المتعاقبة بعدم الاعتماد على النفط فقط في تنويع الموازنة واقتصاد العراق واللجوء الى تنشيط الاستثمار والزراعة والصناعة والسياحة وتعد مصادر التمويل المادي تلافيا لعدم الوقوع في ازمات كالتي يعاني منها البلد حاليا جراء اغلاق مضيق هرمز وتداعيات ما يحصلب في الخليج من توترات امنية وعسكرية القت بظلالها على البلد ككل واخرها ازمة الرواتب .
ومن الحلول لتنظيم هذه المشكلة وعدم تشكلها مستقبلا هو تغيير سعر الصرف وخفض الانفاق الحكومي وتنفيذ حزمة من سلوكيات الاصلاح الاداري والمالي وتبسيط الاجراءات لذلك مع تخفيض الفاتورة التشغيلية والتوجه نحو تعديل وتوحيد سلم الرواتب الدنيا والعليا للفئات بالدرجات المتوسطة والصغيرة والدرجات الخاصة , يضاف اليها ايضا مكافة الموظفين الوهميين ومزدوجي الراتب عبر أتمتة نظام الدفع والبيانات الوظيفية بالكامل مع إيقاف التعيينات العشوائية, فضلا عن اجراءات عديدة اهمها أتمتة الجمارك والمنافذ الحدودية وإصلاح الجباية والنظام الضريبي والتحول نحو الإدماج المالي والرقمنة , ناهيك عن ضرورة إصلاح المصارف الحكومية وضبط نافذة بيع العملة وتفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وايضا تفعيل القطاعات المعطلة وانشاء صندوق الطوارئ السيادي من ايرادات النفط .