مقالاتنا🌐 Available in English٢٢ تموز ٢٠٢٦

حين يصبح تشويه وجوه النساء أداةً للانتقام

حين يصبح تشويه وجوه النساء أداةً للانتقام
CROSS LINES
شاي ارام
شاي ارام
بقلم — كاتب CROSS LINES

يسلط هذا التقرير الضوء على أبرز القضايا التي أثارت الرأي العام، إلى جانب شهادات طبية تكشف الجرائم الخفية التي تقع يومياً خلف الأبواب المغلقة.

في ظل التكرار المستمر لجرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي، والغياب الكامل للإحصاءات الرسمية التي توثقها، أصبحت وجوه النساء في العراق هدفاً مباشراً للانتقام وفرض الهيمنة. ويبرز اليوم سؤال يتردد في الأوساط الإعلامية وبين المدافعين عن حقوق الإنسان: إلى متى يستمر تشويه وجوه النساء؟ ومتى تصبح الحماية الحقيقية والمساءلة أولوية لدى الجهات القانونية؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الواقع؟ هل يقتصر الأمر على الجناة وحدهم، أم أن الصمت المجتمعي والمؤسسي هو أيضاً شريك في صناعة هذه المأساة؟

أبرز القضايا التي هزّت الرأي العام... أسماء مختلفة ومعاناة واحدة

غالباً ما يتجسد التهديد الذي يوجَّه إلى النساء، والقائم على عقلية التملك والسيطرة، في عبارة واحدة: "إذا لم تكوني لي، فلن أسمح بأن يبقى وجهك كما هو." وفي هذا السياق، سُجلت العديد من الحوادث المروعة، من أبرزها:

قضية نبأ (فيروز)

بعد أيام من الاعتداء على طبيبة التخدير الاختصاص نبأ (فيروز)، ما تزال القضية في مرحلة التحقيقات الأولية. وأكد محاميها أن طليقها سكب زيتاً مغلياً على وجهها، ما أدى إلى إصابتها بحروق خطيرة، فيما لا تزال حالتها الصحية غير مستقرة.

قضية نور الخفاجي

تعرضت الإعلامية نور الخفاجي لاعتداء مماثل استهدف جسدها ووجهها، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار على المستوى المحلي.

قضية مريم الركابي (2021)

بعد رفضها عرض زواج تقدم به أحد الشبان، تعرضت مريم الركابي لهجوم بمادة حارقة (الأسيد)، لتصبح قضيتها رمزاً لضحايا "الرفض" في مجتمع ما زالت تحكمه بعض المفاهيم الذكورية.

قضية شاهندة (2024)

في محاولة لقتلها، فقدت شاهندة إحدى عينيها، وتعرض وجهها لتشوه كامل غيّر ملامحها بصورة مأساوية.

قضية ملاك الزبيدي (2020)

رغم أن تقرير الطب العدلي أثبت أن ملاك بقيت على قيد الحياة لأكثر من ساعة بعد الاعتداء، فإن مسار الدعوى القضائية شهد اختلالات كبيرة انتهت بإفلات الجاني من العقاب.

العقبات القانونية والواقع السياسي... الرؤية القانونية

وفي الجانب القانوني، تؤكد المحامية وعضو مجلس النواب السابقة ريزان شيخ دلير أن المادة (411) من قانون العقوبات العراقي تجرّم بشدة جرائم التشويه الجسدي، وتصل عقوبتها إلى السجن لمدة لا تقل عن خمسة عشر عاماً، إلا أن المشكلة تكمن في تطبيق القانون، وليس في نصوصه.

وتوضح أن القانون يجيز الصلح بين الأطراف، إلا أن هذا الصلح لا يسقط الحق العام، بل يقتصر على التنازل عن الحق الشخصي، ويبقى القضاء ملزماً بمحاسبة الجاني.

وتضيف منتقدة التدخلات الخارجية:

"في الواقع، يلجأ بعض الجناة إلى الاحتماء بالأحزاب السياسية، أو يحصلون على غطاء سياسي، أو يختبئون من القضاء مستفيدين من نفوذهم العشائري. لكن الأساس القانوني واضح، فإذا مثل الجاني أمام المحكمة، فلا بد أن ينال العقوبة التي يستحقها، حتى لو جرى صلح أو تسوية اجتماعية."

الواقع المرير... غياب الإحصاءات وقاعدة البيانات الوطنية

وعلى الرغم من استمرار هذه الجرائم، لا يمتلك العراق حتى اليوم مركزاً وطنياً موحداً أو قاعدة بيانات رسمية لتوثيق حالات تشويه الوجوه أو جرائم العنف الجسيم ضد النساء.

ويؤدي هذا الفراغ الإحصائي إلى بقاء مئات الضحايا في دائرة الصمت، إذ لا تصل قضاياهن إلى المحاكم أو وسائل الإعلام، ولا يعرف الرأي العام عنها إلا إذا انتشرت بالصدفة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

شهادة طبية... ما يحدث داخل غرف الطوارئ

إلى جانب القضايا التي تصل إلى الإعلام، تكشف طبيبة الأمراض الجلدية في بغداد الدكتورة هيفاء صهي واقعاً أكثر رعباً، من خلال حديثها عن الحالات اليومية التي شاهدتها أثناء عملها في أقسام الطوارئ بالمستشفيات.

وتقول:

"عندما يقع العنف على شخصيتين معروفتين في مواقع التواصل الاجتماعي، تتحول القضية إلى رأي عام، وقد تكون هناك فرصة لاستعادة حقوقهما. لكن السؤال هو: كم امرأة تتعرض للعنف يومياً دون أن يعلم بها أحد؟"

وتضيف:

"كنا نستقبل يومياً حالات تصل إلى الطوارئ وقد فارقت الحياة. وفي أغلب الأحيان كان الأزواج هم من يجلبون الضحايا، ويقولون مباشرة: لقد تعثرت وسقطت، أو أصيبت بضيق في التنفس. لكن بعد الفحص، كنا نكتشف أنها تعرضت للخنق، أو لنزيف داخلي، أو لكسور وكدمات شديدة نتيجة ضرب وحشي."

وتروي حادثة أخرى قائلة:

"في إحدى المرات جاؤوا بفتاة قاصر فارقت الحياة بعد تعرضها لضرب مبرح. وبعد متابعة القضية، تبين أن عائلتها اصطحبتها إلى معالجين شعبيين بحجة إخراج الجن من جسدها، وهناك توفيت تحت وطأة التعذيب والضرب."

من التشخيص إلى الحلول... المعالجة العلمية والقانونية

وتشير دراسة علمية أعدتها الدكتورة إسراء الدين نوري في كلية العلوم السياسية بجامعة النهرين إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهداً وطنياً جماعياً يبدأ بحماية حقوق الأطفال وتحقيق المساواة داخل الأسرة.

أبرز محاور المعالجة:
أولاً: التشريع والتعديل القانوني

تشدد الدراسة على ضرورة الإسراع في تشريع قانون خاص يجرّم العنف الأسري، ويوفر ملاجئ آمنة ومصادر دخل مستقلة للأمهات وأطفالهن.

كما تؤكد أهمية تعديل قانون العقوبات العراقي وإلغاء جميع المواد التي تنطوي على تمييز ضد المرأة، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).

ثانياً: دور التعليم والإعلام

تؤكد الدراسة أن المؤسسات التعليمية والمناهج الدراسية تؤدي دوراً محورياً في ترسيخ قيم المساواة والاحترام، وهو ما يتطلب تغييراً عميقاً داخل الأسرة نفسها، من خلال إنهاء التمييز بين الذكور والإناث.

كما يمكن لوسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني أن تسهم في تصحيح المفاهيم الاجتماعية السائدة، واستبدال ثقافة الطاعة العمياء بثقافة الحوار والديمقراطية داخل الأسرة.

ثالثاً: تطوير الآليات المؤسسية

تقترح الدراسة إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لتوثيق جميع حالات العنف ضد النساء بالتعاون مع الوزارات والجهات المختصة.

كما توصي بإنشاء وحدات متخصصة لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للناجيات، إلى جانب برامج إصلاح سلوكي للجناة، بما يساعد على معالجة النزاعات الأسرية بوسائل سلمية تحفظ كرامة جميع أفراد الأسرة وأمنهم.

خاتمة ودعوة للتحرك

إن الواقع الخطير الذي يكشفه هذا التقرير، إلى جانب الحلول العلمية التي طرحتها الدراسات الأكاديمية، يفرض تحركاً قانونياً ومؤسسياً عاجلاً وجاداً.

فالعراق بحاجة إلى حلول جذرية لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والأطفال. وفي ظل غياب قانون صارم وشامل لمكافحة العنف الأسري، ستظل المرأة الحلقة الأضعف، تدفع ثمن الصمت المؤسسي والتقاعس عن توفير الحماية والعدالة.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته