مقالاتنا🌐 Available in English٢٥ تموز ٢٠٢٦

زيارة الزيدي إلى طهران.. اختبار التوازن بين الشراكة والوساطة

زيارة الزيدي إلى طهران.. اختبار التوازن بين الشراكة والوساطة
CROSS LINES
محمد العكيلي
محمد العكيلي
بقلم — كاتب CROSS LINES
لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى إيران بوصفها زيارة ثنائية تقليدية تُبحث خلالها ملفات التجارة والطاقة والحدود فقط، فهي تأتي بعد أيام قليلة من زيارته الرسمية إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة من أخطر مراحل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
ولهذا تحمل الزيارة دلالتين متوازيتين؛ الأولى تتعلق بمستقبل العلاقات العراقية الإيرانية، والثانية ترتبط بمحاولة بغداد إثبات قدرتها على التحرك بين خصمين كبيرين من دون أن تتحول إلى جزء من محور أحدهما أو ساحة لتصفية حساباتهما.
وقد وصل الزيدي إلى طهران على رأس وفد وزاري رفيع في زيارة تستمر يومين، وعقد لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تركزت رسميا على العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطورات الإقليمية. كما تحدث الجانبان عن إعداد خريطة طريق للتعاون الاستراتيجي، وتسريع الاتفاقيات القائمة في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والبنى التحتية وأمن الحدود.

زيارة طمأنة بعد الانفتاح على واشنطن

تتمثل أولى وظائف الزيارة في إزالة المخاوف الإيرانية التي ظهرت عقب زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، ولا سيما بعد توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الشركات والمؤسسات الأميركية، والتركيز على توسيع التعاون في قطاعات النفط والغاز والكهرباء وإنشاء ممرات بديلة لصادرات النفط العراقي.
قد تنظر طهران إلى هذا الانفتاح باعتباره بداية تحول تدريجي في السياسة العراقية، من الاعتماد الكبير على إيران إلى تنويع الشراكات الدولية ومنح الشركات الأميركية حضورا أوسع داخل القطاعات الاستراتيجية.
ومن هنا أراد الزيدي، على الأرجح، إيصال رسالة مفادها أن تعزيز العلاقة مع واشنطن لا يعني تحويل العراق إلى منصة معادية لإيران، وأن بغداد لا تسعى إلى استبدال شريك بآخر، بل إلى تحرير سياستها الخارجية من الاعتماد المفرط على طرف واحد.
لكن هذه الرسالة تواجه اختبارا صعبا؛ لأن التوازن لا يتحقق بكثرة الزيارات وحدها، وإنما بقدرة العراق على صياغة قرارات مستقلة لا تُملى عليه من واشنطن ولا تُفرض عليه من طهران.

ما الذي يمكن أن يكسبه العراق؟

تحمل الزيارة مجموعة من المكاسب المحتملة للعراق، وفي مقدمتها المحافظة على الهدوء على حدوده الشرقية، ومنع انتقال المواجهة الإيرانية الأميركية إلى الأراضي العراقية. فإيران ليست دولة بعيدة عن العراق، بل جار يمتلك حدودا طويلة معه وعلاقات اقتصادية ودينية واجتماعية واسعة، فضلا عن نفوذ سياسي وأمني داخل الساحة العراقية، وأي تدهور حاد في العلاقات معها قد ينعكس على أمن الحدود والتبادل التجاري والطاقة وحركة الزائرين، وربما على التوازن الداخلي بين القوى السياسية العراقية.
كما يحتاج العراق في المدى القريب إلى استمرار إمدادات الغاز الإيراني المستخدم في تشغيل عدد من محطات إنتاج الكهرباء، رغم الخطط الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال في قطاع الطاقة. ولذلك يشكل ملف الغاز أحد أبرز الملفات العملية المطروحة في الزيارة، بعيدا عن الشعارات السياسية العامة.
وتتيح الزيارة كذلك فرصة لتطوير مشاريع النقل البري والسكك الحديدية وربط الموانئ والأسواق بين البلدين. وإذا أُديرت هذه المشاريع وفق المصالح الاقتصادية العراقية ومعايير الشفافية، فقد تتحول الحدود من مساحة أمنية قلقة إلى ممر للتجارة والترانزيت بين الخليج ووسط آسيا.

الوجه الآخر للعلاقات الاقتصادية

غير أن توسيع التعاون الاقتصادي مع إيران لا يخلو من محاذير، خصوصا إذا تحول إلى تكريس لاعتماد العراق على الغاز والسلع المستوردة، بدلا من استخدام العلاقة للحصول على فترة انتقالية يستطيع خلالها تطوير إنتاجه المحلي.
إن شراء الطاقة من إيران قد يكون ضرورة آنية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة. فالدولة التي تعتمد على الخارج لتشغيل محطات كهربائها تظل معرضة للضغط السياسي ولاضطرابات الإمدادات والعقوبات الدولية وتقلبات الأسعار.
كما يتعين على بغداد أن تضمن قيام التجارة مع إيران على أساس التوازن، لا أن يبقى العراق سوقا كبيرة للمنتجات الإيرانية في مقابل صادرات عراقية محدودة. والعلاقة الاقتصادية الناجحة يجب أن تخلق مصانع وفرص عمل داخل العراق، لا أن تزيد العجز التجاري أو تضعف القطاعات الزراعية والصناعية الوطنية.

السلاح والفصائل.. الملف الأصعب

يبقى ملف الفصائل المسلحة الأكثر حساسية في مباحثات الزيدي مع المسؤولين الإيرانيين. فقد تعهدت حكومته بحصر السلاح بيد الدولة ودمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، في حين ترتبط بعض الفصائل العراقية بعلاقات عقائدية وسياسية وعسكرية مع طهران.
وتشير تقارير إلى أن بغداد تريد إقناع إيران بوقف دعم الجماعات التي تتبنى مبدأ "وحدة الساحات" وتسعى إلى إشراك العراق في المواجهة الإقليمية، مقابل التزام عراقي واضح بعدم السماح باستخدام أراضيه أو أجوائه لشن هجمات على إيران.
هذه المعادلة تبدو منطقية من حيث المبدأ: العراق لا يكون منطلقا للاعتداء على إيران، وفي المقابل لا تستخدم إيران نفوذها داخل العراق لفرض قرار الحرب والسلم أو تحريك جماعات مسلحة خارج أوامر القائد العام للقوات المسلحة.
لكن نجاحها يتوقف على استعداد طهران للتعامل مع العراق بوصفه دولة مستقلة، لا مجرد عمق استراتيجي أو ساحة متقدمة في صراعها مع الولايات المتحدة. كما يتوقف على قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ قراراتها داخليا، وعدم الاكتفاء بمطالبة إيران بما تعجز بغداد نفسها عن فرضه.

أمن مشترك أم تنازل عن السيادة؟

أكد الزيدي أن أمن العراق وإيران مترابط، وأن بغداد لن تسمح باستخدام أراضيها منصة لتهديد إيران، وهو موقف ينسجم مع مصلحة العراق في عدم التحول إلى قاعدة لأي هجوم خارجي.
غير أن مفهوم "الأمن المشترك" يحتاج إلى تعريف دقيق، لأن طهران قد تفسره على أنه يتيح لها التدخل في ملفات أمنية عراقية أو المطالبة بإجراءات تتجاوز الحدود الطبيعية للتعاون بين دولتين.
الأمن المشترك الحقيقي يعني ضبط الحدود ومنع تسلل الجماعات المسلحة ومكافحة المخدرات والإرهاب وتبادل المعلومات، ولا يعني منح أي دولة حق ملاحقة خصومها داخل الأراضي العراقية أو ممارسة الضغط على السلطات المحلية.
ولذلك يتوجب على الحكومة العراقية الجمع بين طمأنة إيران والتمسك الصريح بأن الأراضي العراقية تخضع للقانون العراقي وحده، وأن أي تعاون أمني يجب أن يجري من خلال المؤسسات الرسمية والاتفاقيات المعلنة.

انعكاسات إيجابية على مستقبل العلاقات

إذا تمكن الزيدي من إدارة الزيارة بنجاح، فقد تفتح مرحلة جديدة في العلاقات تقوم على المصالح المتبادلة بدلا من العلاقات غير المتكافئة.
ويمكن أن تتمثل النتائج الإيجابية في تثبيت احترام إيران لقرار الدولة العراقية، وتحسين أمن الحدود، وضمان استمرار إمدادات الطاقة مؤقتا، وتسريع مشاريع النقل والتجارة، وتخفيف التوتر بين الفصائل والحكومة، والحصول على دعم إيراني لتحييد العراق عن الحرب.
كما قد تساعد الزيارة في بناء نمط جديد من العلاقات، تتعامل فيه بغداد مع طهران من موقع الدولة الشريكة، لا من موقع الطرف الذي يكتفي بالاستجابة للضغوط أو إدارة النفوذ الإيراني داخل مؤسساته.

التداعيات السلبية المحتملة

في المقابل، قد تترك الزيارة آثارا سلبية إذا قدمت الحكومة تنازلات غير معلنة في الملفات الأمنية أو الاقتصادية، أو إذا استخدمتها إيران للحصول على ضمانات عراقية من دون تقديم التزامات مقابلة.
وقد تتعرض الحكومة لانتقادات داخلية إذا بدا أن الزيدي حمل إلى طهران رسائل أميركية أكثر مما حمل رؤية عراقية مستقلة. فالوسيط الذي يتحول إلى ناقل رسائل فقط يفقد جزءا من مكانته، ويظهر بوصفه حلقة اتصال لا طرفا يمتلك مبادرة سياسية خاصة.
كما يمكن أن تثير الزيارة مخاوف القوى السياسية الراغبة في تقليص النفوذ الإيراني، خصوصا إذا لم تتضمن نتائج واضحة بشأن السلاح المنفلت أو حماية القرار العراقي من تدخلات الخارج.
أما الفصائل المقربة من طهران فقد تنظر إليها بريبة من زاوية مختلفة، إذا اعتقدت أن الهدف منها انتزاع موافقة إيرانية على تجريدها من السلاح وتنفيذ التفاهمات التي توصل إليها الزيدي في واشنطن.
وهكذا يجد رئيس الوزراء نفسه بين جبهتين؛ واحدة تتهمه بالتقرب من إيران، وأخرى قد تتهمه بتنفيذ المطالب الأميركية تحت غطاء الحوار مع طهران.

هل يصلح العراق وسيطا بين إيران وأميركا؟
يمتلك العراق عناصر تمنحه فرصة مهمة للوساطة. فهو يحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع إيران، وفي الوقت نفسه يتمتع بشراكة واسعة مع الولايات المتحدة ويعتمد نظامه المالي والاقتصادي بدرجة كبيرة على التعامل مع المؤسسات الأميركية.
كما أن العراق أكثر الدول تضررا من استمرار الصراع؛ لأن إغلاق مضيق هرمز والاعتداءات على منشآته النفطية وتعطل التجارة والطيران وانخراط الفصائل في المواجهة تهدد اقتصاده وأمنه بصورة مباشرة.
وتشير معلومات متداولة إلى أن الزيدي يحمل رسائل تتعلق بإمكانية وقف التصعيد، وضمان الملاحة في مضيق هرمز، ومنع استخدام العراق منصة للهجوم على إيران، وربما استضافة بغداد جولة حوار بين الجانبين.
لكن امتلاك العلاقات مع الطرفين لا يكفي وحده لصناعة وساطة ناجحة. فالوسيط يحتاج إلى ثقة الطرفين وقدرة على تقديم ضمانات وأوراق ضغط، فيما لا يزال العراق نفسه واقعا تحت تأثير الصراع الأميركي الإيراني.
فالولايات المتحدة تمتلك نفوذا ماليا واقتصاديا كبيرا على العراق، بينما تمتلك إيران نفوذا سياسيا وأمنيا وشبكة من الحلفاء المسلحين داخله. وهذا يجعل بغداد، في بعض الأحيان، جزءا من الأزمة بقدر ما يجعلها مؤهلة للمساهمة في حلها.

شروط نجاح الوساطة العراقية

لكي تكون الوساطة العراقية ذات جدوى، ينبغي ألا تقتصر على تبادل الرسائل العامة، بل يجب أن تتضمن مبادرة محددة تقوم على مجموعة من الالتزامات المتبادلة:

أولا: وقف استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي هجوم على إيران.

ثانيا: امتناع الفصائل المسلحة عن مهاجمة المصالح الأميركية أو التحرك خارج قرار الحكومة العراقية.

ثالثا: ضمان مرور صادرات العراق النفطية وعدم تحويل مضيق هرمز إلى وسيلة لمعاقبة الاقتصاد العراقي.

رابعا: وضع جدول للحوار الأميركي الإيراني يتناول وقف إطلاق النار وأمن الملاحة والقواعد العسكرية وعدم الاعتداء على دول المنطقة.

خامسا: تنسيق الوساطة العراقية مع الدول التي تتحرك في الاتجاه نفسه، مثل سلطنة عمان وقطر وباكستان، حتى لا تتنافس المبادرات وتضيع بين تعدد القنوات

العلاقات المقبلة.. لا قطيعة ولا تبعية

من غير الواقعي توقع ابتعاد العراق كليا عن إيران، كما أنه من غير الممكن أن يتخلى عن علاقته بالولايات المتحدة. مستقبل السياسة العراقية سيظل قائما على إدارة هذه الازدواجية، لكن الفرق سيكون في طبيعة الإدارة.
إما أن يبقى العراق عالقا بين الطرفين، يستجيب للضغط الأميركي في ملف ويتراجع أمام النفوذ الإيراني في ملف آخر، أو ينتقل إلى سياسة أكثر وضوحا تقوم على التعاون مع الجميع وفق المصالح العراقية وحدها.
إن المطلوب ليس مقاطعة إيران ولا التحول ضدها، وإنما بناء علاقة طبيعية بين دولتين متجاورتين، تعترف بالروابط التاريخية والدينية والاقتصادية، لكنها ترفض التدخل في القرار السياسي والأمني.

اختبار مبكر لحكومة الزيدي

تمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى إيران اختبارا مبكرا لقدرة حكومته على تحويل شعار التوازن إلى سياسة قابلة للتطبيق. فالنجاح لا يقاس بحرارة الاستقبال أو بعدد الاتفاقيات، بل بما إذا كانت الزيارة ستؤدي إلى تحييد العراق عن الحرب، وحماية صادراته، وتنظيم العلاقة الأمنية مع إيران، ومنع الفصائل من امتلاك قرار مستقل للحرب والسلم.
أما دور العراق في نزع فتيل التوتر، فهو ممكن ومفيد، لكنه لن يكون مؤثرا ما لم يمتلك العراق أولا قراره الداخلي. فالدولة التي تريد التوسط بين خصمين كبيرين يجب أن تضمن أن أراضيها وسلاحها ومؤسساتها تتحرك بإرادة واحدة.
وعندها فقط يمكن لبغداد أن تتحول من ساحة للصراع الأميركي الإيراني إلى جسر للحوار بينهما، ومن دولة تتلقى نتائج المواجهة إلى دولة تشارك في صناعة التسوية الإقليمية.

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته