مقالاتنا🌐 Available in English٦ حزيران ٢٠٢٦

حصر السلاح مفتاح بوابة الاقتصاد العراقي

حصر السلاح مفتاح بوابة الاقتصاد العراقي
ايرينا تسوكيرمان
ايرينا تسوكيرمان
بقلم — كاتب CROSS LINES

سيادة العراق بقلم: إيرينا تسوكرمان

أطلق الإطار التنسيقي في العراق مبادرته لحصر السلاح بيد الدولة وفك الارتباط بين القوى السياسية والتشكيلات المسلحة في واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ البلاد منذ عام 2003. وجاء هذا المقترح في أعقاب مرحلة من التصعيد الإقليمي الذي أربك أسواق الطاقة، وهدّد طرق التجارة البحرية، وعطّل ممرات النقل، ووضع البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط تحت ضغوط متجددة. وفي الوقت ذاته، دخل العراق المرحلة التالية من مساره الأمني الانتقالي، إذ باتت بغداد تستعد لتحمّل مسؤوليات أوسع في أعقاب انتهاء مهمة التحالف الدولي ونقل منشآته الرئيسية إلى السيطرة العراقية.
وسارعت تحالفات سياسية تقود المشهد إلى استيعاب دلالات هذه اللحظة؛ إذ أيّدت في بيانات رسمية مبادرة الإطار التنسيقي، وأكّدت ضرورة حصر السلاح بالمؤسسات العسكرية والأمنية العراقية، معتبراً هذه السياسة ضرورة وجودية تفرضها المصلحة الوطنية العليا. ولم يتعامل البيان مع ملف حصر السلاح بوصفه مسألة أمنية تقنية، بل وضعه في صميم أجندة السيادة الوطنية.
الواقع الاستراتيجي في ظل التقلبات الإقليمية
يعكس هذا التوقيت واقعاً استراتيجياً لم يعد بمقدور العراق تجاهله؛ فالمنطقة تجتاز مرحلة من الاضطراب المتصاعد والمستمر. فقد أعادت الحرب بين إسرائيل وإيران، والهجمات على خطوط الشحن، والتهديدات المتكررة لحرية الملاحة البحرية، والمخاوف المتجددة بشأن البنية التحتية للطاقة، رسم خريطة الحسابات الأمنية الإقليمية من جديد. فكل موجة تصعيد تُلقي بتداعياتها المباشرة على أسعار النفط وتكاليف الشحن وأقساط التأمين وثقة المستثمرين، فيما باتت الأسواق العالمية تتفاعل خلال ساعات مع أي مستجد في المنطقة. وباتت حكومات المنطقة تُدرج حماية البنية التحتية وأمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد ضمن أولويات أمنها القومي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنسبة للعراق، البلد الذي يرتكز اقتصاده بشكل رئيسي على عائدات تصدير الطاقة. وتسعى بغداد إلى استقطاب الاستثمارات وتوسيع البنية التحتية وتحديث الاقتصاد الوطني، كما تعمل على تموضع العراق مركزاً محورياً للنقل واللوجستيات يربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا، وهو ما يُجسّده مشروع طريق التنمية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم أن يمنح المستثمرون والشركاء التجاريون والحكومات ثقتهم الكاملة في المؤسسات العراقية والبنية التحتية والترتيبات الأمنية المحلية.
وتقوم هذه الثقة في جوهرها على قدرة الدولة في فرض سلطتها بصورة منتظمة وثابتة على كامل أراضيها. فمنشآت الطاقة تحتاج إلى حماية دائمة، وممرات النقل تستدعي التنسيق الفعّال، والمعابر الحدودية تتطلب إدارة كفؤة، فضلاً عن حاجة المستثمرين إلى بيئة حوكمة يمكن التنبؤ بها والتعويل عليها. ولا يكفي لتحقيق أيٍّ من هذه الغايات الاتكاء على التخطيط الاقتصادي وحده، بل لا بد من قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها عبر تسلسل قيادي موحّد وواضح.
جذور التحدي
يكشف التاريخ العراقي الحديث لماذا يظل هذا الهدف بعيد المنال؛ إذ أفضى انهيار مؤسسات الدولة في أعقاب عام 2003 إلى نشوء بيئة أمنية مفككة وهشة. وأسهمت حركات التمرد والاقتتال الطائفي والتهديدات الإرهابية وهشاشة الدولة في تشجيع ظهور فاعلين مسلحين متعددين يعملون خارج المنظومة الرسمية للدولة. وحين شنّ تنظيم داعش هجومه عام 2014 مهدداً بقاء الدولة العراقية، تدفّق آلاف المتطوعين للانضمام إلى صفوف الحشد الشعبي، وأدّوا دوراً محورياً في كبح تقدم التنظيم وإعادة الأراضي المحتلة.
وإن كان دحر داعش قد أسدل الستار على أزمة كبرى، فإنه في الوقت ذاته أفرز تحديات من طبيعة مختلفة، إذ تحوّلت التعبئة الحربية إلى واقع سياسي واقتصادي ومؤسسي راسخ.
وقد ترتّبت على هذه التطورات تداعيات لافتة؛ فقد اصطدمت الحكومات مراراً بعقبات عند محاولة تطبيق سياسات تمسّ مصالح راسخة. وبات الفاعلون الاقتصاديون في كثير من الأحيان مضطرين للتعامل مع مراكز قوى متعددة بدلاً من سلطة تنظيمية موحّدة، فيما كثيراً ما استشهدت الشركات الراغبة في الاستثمار بغياب اليقين بشأن الحوكمة والسلطة المحلية بوصفه مصدر قلقها الأول.
أبعاد السياسة الخارجية وبناء الدولة
وقد امتدت تداعيات هذا الواقع لتطال السياسة الخارجية والأمن القومي، حيث درجت الحكومات الإقليمية والشركاء الدوليون على تقييم العراق من خلال منظار هذه الضبابية، وكان كل حادثة تُعمّق المخاوف من الفجوة القائمة بين السلطة الدستورية للعراق والتوزيع الفعلي للقوى على أرض الواقع.
وتسعى المبادرة الراهنة إلى معالجة هذا الإشكال بالذات. ويُشير الدعم الذي حظيت به من أغلب القوى السياسية الفاعلة إلى اعتراف متنامٍ بأن المرحلة القادمة من التنمية العراقية تستوجب مؤسسات أمتن وسلطة أكثر وضوحاً وحسماً. والمبادرة في جوهرها لا تتعلق بالأسلحة وحدها، بل تطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة العلاقة بين القوة والدولة.
وكثيراً ما تُختزل النقاشات حول هذه القضية في جرد الأسلحة وهياكل القوات والصلاحيات القانونية. بيد أن البُعد الأعمق يتمحور حول السيطرة على الموازنات وأنظمة شؤون الموظفين وآليات المشتريات وتنسيق الاستخبارات والتخطيط العملياتي والشبكات اللوجستية وصنع القرار الاستراتيجي. فمن يمسك بزمام هذه الوظائف يمتلك السلطة الحقيقية، وأي مسعى جاد لتعزيز السيادة العراقية لا بد أن يواجه هذه الملفات بشكل مباشر.
حتمية الاستقرار والمستقبل الاقتصادي
وتزيد المعطيات الإقليمية الراهنة من إلحاحية هذا المسعى؛ فقد غدا أمن الطاقة شاغلاً محورياً في الأسواق العالمية. وأجبرت الاضطرابات في البحر الأحمر شركات الشحن التجاري على تحويل مسارات سفنها وتحمّل أعباء تكلفة أعلى، فيما أدّت الهجمات على البنية التحتية البحرية إلى إعادة رسم تدفقات التجارة عبر قطاعات متعددة، وأشعل التصعيد العسكري مراراً وتكراراً موجات من التقلب في أسواق النفط. وباتت حكومات المنطقة تُضاعف جهودها لتأمين ممرات النقل وحماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز صمودها الداخلي في مواجهة الصدمات الخارجية.
ولن يكون بوسع العراق مواصلة السعي نحو طموحاته الاقتصادية دون التعامل مع هذه الحقائق الراسخة. فالدولة تتطلع إلى تحويل نفسها إلى بوابة تجارية تصل الأسواق الإقليمية ببعضها، وتسعى لاستقطاب الرساميل الأجنبية وتطوير بنية تحتية استراتيجية وتعزيز دورها في مبادرات الربط الإقليمي. وتستلزم هذه الأهداف تماسكاً مؤسسياً متيناً، وتتطلب من المستثمرين الإيمان بقدرة المؤسسات الوطنية على إنفاذ العقود وحماية الأصول وإدارة الأزمات، وتقتضي أن تطمئن هذه الأطراف إلى قدرة بغداد على تنفيذ سياساتها عبر هياكل الدولة المعترف بها.
فالسيادة لا تكتمل بمجرد الاعتراف القانوني؛ بل تستلزم مؤسسات قادرة على ممارسة السلطة وإدارة الأمن وحماية البنية التحتية وقيادة التنمية الاقتصادية والاستجابة الفعّالة للأزمات الإقليمية.
إن النقاش الذي أطلقه الإطار التنسيقي يتمحور في نهاية المطاف حول الهيكل المستقبلي للدولة العراقية. ويقف العراق اليوم أمام فرصة تاريخية لتعزيز المؤسسات المنوط بها الأمن القومي والتنمية الاقتصادية وصنع القرار الاستراتيجي. فعدم الاستقرار الإقليمي والهواجس المتعلقة بأمن الطاقة وهشاشة سلاسل الإمداد وطموحات العراق التنموية، كلها عوامل تصبّ في خلاصة واحدة لا مفرّ منها: إن الاستقرار الدائم لهذا البلد رهين بقدرته على بناء مؤسسات تمارس سلطتها استناداً إلى القانون والمساءلة والإطار الوطني الجامع. ويمثّل حصر السلاح بيد الدولة خطوة أساسية لا غنى عنها في هذا المسار الشامل

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته