ان مايجري حولنا اليوم ليس مجرد اضطراب عابر بل ارتجاج طويل في بنية الإنسان وعلاقته بالأرض ، بالزمن ، وبنفسه ، ومن هنا تبدأ الحكاية ، من لحظة وعي متأخرة ومن خوف مشروع ومن أمل لا يزال يقاوم بصمت
حيث لم نعد نعيش الزمن كما كان بل نمر به وكأنه يمر علينا دون أن يلتفت ، فالأيام تتبدل أسرع من قدرتنا على الفهم والأرض التي حملتنا قرونا تبدو اليوم مثقلة بخطواتنا ، متعبة من ضجيجنا ، ومن نزاعات لم نعد نعرف إن كانت تبحث عن نصر أم عن ذريعة للاستمرار ، ففي هذا العالم المتخم بالصراعات اصبح القلق هو الإيقاع الخفي الذي ينظم حياتنا واصبحت الأسئلة أكبر من الأجوبة وأثقل من أن تقال دفعة واحدة
ففي زمن تتكاثر فيه المعارك أكثر مما تتكاثر الأحلام ، لم تعد الأرض مسرحا للحياة بقدر ما غدت ساحة مفتوحة للصراع الدائم ، فننام على أصوات التحذير ونستيقظ على أخبار التحولات الكبرى ، حتى باتت الأيام نفسها وكأنها تعيد ترتيب مصائرنا دون استئذان وتنقلنا من يقين هش إلى قلق أشد هشاشة ، حيث في كل لحظة تمر تحمل معها احتمالا جديدا للتبدل ، وكل صباح يبدو وكأنه نسخة أخرى من مساء لم يكتمل فيه الأمان ، لقد أصبح الصمت لغة العصر ، فأفواهنا موصدة لا عجزا عن الكلام بل ثقلا من فائض ما لا يمكن قوله ، أما عقولنا فتجوب مساحات شاسعة من الأسئلة المؤجلة ، شاردة بين خوف معلن وأمل خجول ، تتأمل الغد وكأنه ضباب لا ملامح له ، لنعيش أعمارنا في حالة ترقب دائم ، نحصي الأيام لا بوصفها حياة تعاش بل انتظارا لما قد يقع أو لما قد يفقد ولما قد لا يأتي أبدا
وفي خضم هذا الاضطراب يلوح سؤال أكبر منا جميعا وهو : إلى أين تمضي هذه الأرض بكل ما حملته من تاريخ ووجع وأحلام ؟ هل ستبقى على دورانها المعتاد ، أم أن ما تراكم فوقها من عبث بشري وما نفذ في جسدها من اختراقات متواصلة ، قد يدفعها يوما إلى الاحتجاج بالصمت ، أو بالتوقف ، أو بالانكسار ؟ ، وكأن الأرض في خيالنا المتعب لم تعد كيانا صامتا بل كائنا حيا يئن تحت وطأة الاستنزاف ، يراقبنا ونحن نعيد الأخطاء ذاتها ثم نتساءل بدهشة عن سبب الخراب ، فنحن اليوم ماضون فوق هذه الأرض بخطوات غير متناسقة ، نتحرك داخل فوضى لا نعرف متى تنتهي ولا متى تلملم شتاتها ولا متى تستعيد إيقاعها الواحد ، فكل شيء من حولنا يسير بتسارع مختلف ، فالسياسة تسبق الحكمة والتكنولوجيا تسبق الأخلاق والضجيج يسبق المعنى ، حتى الإنسان نفسه بات يركض دون أن يعرف وجهته ويستهلك أيامه كما يستهلك الأشياء ، دون أن يسأل إن كان ما يفعله يقوده إلى النجاة أم إلى مزيد من التيه
ومع كل هذا يظل الأمل فكرة معلقة لا تموت تماما ، لنتساءل بصوت خافت : هل سنصحو يوما على هواء عليل ، على صباح لا تحمله نشرات الأخبار مثقلا بالخسارات ؟ وهل ستفتح النوافذ ذات فجر ما على نسمة نقية لا تشوبها عوادم الحروب ولا اختناقات المدن ولا رائحة الخوف ؟ ، أم أن البدايات نفسها ستغدو يوما مثقلة وستستيقظ النوافذ قبلنا على واقع لم يحسب له حساب ، حتى نجد أن الضوء بات مشوبا بالتعب ؟ ، حيث ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة عابرة بل اختبار طويل لمعنى الإنسان على هذه الأرض ، اختبار لصبره ووعيه وقدرته على مراجعة ذاته قبل أن يطالب العالم بالتغير ، فربما لا تحتاج الأرض إلى أن تتوقف عن الدوران بل تحتاج فقط إلى أن نتوقف نحن عن العبث ، وأن نصغي إلى أنينها الخافت قبل أن يتحول إلى صمت نهائي لا عودة بعده ، وربما في لحظة ما لن ننتبه لها ، لن تطلب الأرض أكثر من أن ننصت اليها ، فلن ترفع صوتها ولن تسقط سماءها فوق رؤوسنا ، بل ستكتفي بإبطاء نبضها قليلا كمن يمنح أبناءه فرصة أخيرة للفهم ، عندها سنكتشف أن الخراب لم يكن قدرا بل خيارا ، وأن الصمت الذي أحاط بنا لم يكن عجزا بل إنذارا طويل الأمد لنعود حينها إلى ذواتنا ، لنفهم أن الأرض لم تكن يوما غاضبة بقدر ما كانت مرهقة ، وأن دورانها المستمر لم يكن علامة رضا بل فعل صبر ممتد ، فإن أحسنا الإصغاء قد تمنحنا صباحا لا يحتاج إلى أقنعة وهواء لا يُقاومه الصدرو ، وخطوات تعود إلى إيقاعها الطبيعي ، أما إن واصلنا العبور بلا وعي فقد يأتي يوم لا تتوقف فيه الأرض عن الدوران فقط بل سنتوقف نحن ايظا عن أن نكون جزءا من معناها الحقيقي .