مقال سياسي حول رغبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وماذا تضمنته شعارات وبرنامج حملته الانتخابية في ولايتيه الأولى والثانية، وعن ماهية المتطلبات والمشاريع التي يريد تنفيذها على أرض الواقع والتي لم يستطع تحقيقها حتى الآن، وتساؤلات بشأن سياسات يُراد تنفيذها على حساب رغبات شخصية وأخرى تُملى عليه..
ترامب بين ولايتين
ما بين الولاية الرئاسية الأولى والثانية يقبع حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مضاربات دولية، وتناقضات سياسية، وقرارات متخبطة تكاد تختلف عن برامجه الانتخابية التي أعلن عنها وعمل جاهدًا لتنفيذها على أرض الواقع في حال نيله الفوز والرئاسة. فشعاراته التي أطلقها في الحملة الانتخابية الأولى عام 2016 تختلف عما أطلقه في انتخابات 2024. فهناك فرق بين الاثنين من حيث الملفات التي رافقت مدة رئاسته, فالتخبط في التعاطي مع الملفات يجعل الجميع في حيرة من سلوك وتصرفات هذا الرجل الذي تسنم منصب رئيس الولايات المتحدة لمدتين رئاسيتين غير متتاليتين. وهنا سنتعاطى مع أبرز ما أعلنه ترامب في الولايتين من احتياجات دولية وداخلية سعى إلى تحقيقها،
ملفات الولاية الأولى من أولى الملفات التي نادى بها ترامب كانت الهجرة وأمن الحدود، فقد كانت القضية آنذاك، في عام 2016، هي المحرك العاطفي والسياسي الأكبر للحملة، والتركيز على بناء جدار حدودي عازل وضخم على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك لمنع الهجرة غير الشرعية، فضلًا عن ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وفرض القيود الصارمة على دخول مواطني عدة دول ذات أغلبية مسلمة نجد أن ترامب نجح في إعادة صياغة نظام الهجرة الأميركي بالكامل عبر الاعتماد على القوة التنفيذية والاتفاقيات الثنائية مع دول الجوار، إلا أنه ترك نقصًا في الأيدي العاملة، ولم تستطع الشركات الكبرى تجاوز تلك المشكلة الحقيقية.
إلغاء التعهدات الخارجية ثم ذهب ترامب إلى إلغاء الاتفاقيات الدولية، كالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى التي انسحبت واشنطن منها رسميًا في آب 2019، إضافة إلى ترك معاهدة الأجواء المفتوحة في 2020. يُضاف إليها انسحاب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ في ولايته الأولى، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في 2026، لتصبح أميركا الدولة الوحيدة خارجها. كذلك اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية التي ألغاها ترامب واستبدلها باتفاقية جديدة ثلاثية مع المكسيك وكندا، ناهيك عن الانسحاب أيضًا من منظمة الصحة العالمية، ووقف التمويل عنها، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقطع التمويل الفيدرالي عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والأهم من ذلك معاهدة "نيو ستارت" للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي انتهت دون تجديد.
تناقض صريح لسياسات الحروب انتقد ترامب في ولايته الأولى الحروب الأميركية الطويلة في الخارج، وطالب بتجنب التدخل العسكري المباشر في قضايا بناء الدول أو إسقاط الأنظمة في الشرق الأوسط، وهو ما لم يحصل في ولايته الثانية عبر بدء الحرب مع إيران، والهجوم على فنزويلا، وخطف رئيسها، وشن ضربات عسكرية أميركية على دول عدة في ولايته الثانية، كاليمن والصومال والعراق وسوريا، فضلًا عن التهديد بإسقاط النظام الكوبي والمكسيكي والكولومبي.
تفكيك إرث باراك أوباما كان المحرك الأساسي والأبرز لسياسات دونالد ترامب، سواء في ولايته الأولى أو بعد عودته في ولايته الثانية، هو تفكيك إرث باراك أوباما، والقوانين المقيدة، مثل الرعاية الصحية، والتخفيضات الضريبية، والقيود البيئية، والقرارات التنظيمية. وقد وعد الناخبين بالفعل بتغيير العديد من القوانين والسياسات، لكنه لم يستطع تحقيق العديد من تلك الرغبات، وأهمها إلغاء قانون الرعاية الصحية، لعجزه عن إصدار قانون في الكونغرس عام 2017، وقطع العلاقات مع كوبا بعد التطبيع التاريخي معها عام 2014. كذلك فشل في إلغاء برنامج "داكا" لحماية الأطفال المهاجرين.
إيران.. العدو المباشر نرى أن الرئيس الأميركي، وخلال ولايته الأولى وصولًا إلى منتصف ولايته الثانية، هاجم إيران وفرض عقوبات عليها وما حدث عبر الانسحاب من الاتفاق النووي، واغتيال قاسم سليماني، وسياسة "الضغط الأقصى"، وزيادة الضغوط الاقتصادية، وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية اضافة إلى استخدام الرسوم والعقوبات الثانوية ضد المتعاملين مع إيران، والحرب الأخيرة التي ما تزال متواصلة عقب خرق الاتفاق المبرم بوساطة باكستان وقطر.
إسرائيل.. غزة.. لبنان.. معضلة المنطقة وحلول ترامب الترقيعية يرى ترامب أن السياسة الأميركية يجب أن تقوم على دعم إسرائيل وتنفيذ اتفاقيات التطبيع بين دول الخليج، فضلًا عن اعتماد إدارته على الصفقات في كسب ود الجميع والوصول إلى حلول أعدها محللون بالترقيعية، عبر اتفاق السلام في غزة، وتأسيس مجلس السلام الذي ضم العديد من الدول بهدف نزع سلاح حماس، كذلك اعتمد سياسة تمويل تل أبيب بالأسلحة الدفاعية والهجومية، والتي تمنحها اليد العليا على دول المنطقة لا سيما إيران، كذلك دعم سياسات إسرائيل في الاستيطان والتوسع وتحقيق الخارطة الجغرافية التي تعتمدها بموافقة أميركية خالصة ومن القرارات الأميركية التي عززت موقف تل أبيب هو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في شهر كانون الأول عام 2017، في خطوة استهجنها العديد من الدول، بل وأجبر الدول الحليفة والصديقة له على نقل سفاراتها إلى القدس، فضلًا عن توقيع مرسوم رئاسي يعترف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية خلال آذار 2019، أعقبه طرح خطة السلام وما يعرف بصفقة القرن في كانون الثاني 2020، والتي شرعنت ضم المستوطنات، ناهيك عن رعايته لتوقيع اتفاقيات أبراهام التطبيعية بين إسرائيل ودول الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، بتبني مبدأ "السلام مقابل السلام" وتجاوز القضية الفلسطينية.
أما في لبنان، فقد ظل استثناء نتنياهو من التصرف كما يشاء في الجنوب اللبناني من خلال التوسع أكثر، وتنفيذ الغارات العدائية، واستمرار حرب الاستنزاف رغم اتفاقات التهدئة المبرمة، وتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بإقامة "منطقة أمنية عازلة" داخل الأراضي اللبنانية لحماية شمال إسرائيل، حتى جاء اتفاق السلام بين طهران وواشنطن، وأظهر حجم عدم الانصياع الإسرائيلي للاتفاق وعدم التقيد بقراراته، وهو ما أغضب ترامب، وأدى إلى تنابز بين الرئيسين وقطيعة بعد حلف قوي طويل الأمد، قد نشهد فك خيوطه في المستقبل القريب.
الصين.. العدو المؤجل شهدت العلاقات والتعاملات الأميركية مع الصين أحد أكبر مشاريع ترامب السياسية تحولًا من خلال الحرب التجارية والدبلوماسية المفتوحة، وزيادة التعرفات الجمركية، بالرغم من الزيارات الرئاسية المتبادلة لترطيب الأجواء وتخفيف التشنج الدولي بين الطرفين. فقد دخلت الحرب التجارية الرسمية بين الطرفين نفقًا مظلمًا وسوداويًا في شهر آب 2018، عقب فرض ترامب رسومًا بنسبة 25% على بضائع صينية بقيمة 34 مليار دولار، وردت بكين بالمثل، وألحقتها بفرض رسوم إضافية على بضائع بقيمة 16 مليار دولار. أعقب ذلك تفجر أزمة دبلوماسية وقانونية بين بكين وواشنطن جراء اعتقال المديرة المالية لشركة هواوي الصينية منغ وانزو، إضافة إلى وضع أميركا لشركة "هواوي" وعشرات الشركات الصينية على القائمة السوداء للتجارة، وهو ما أدى إلى تذبذب العلاقات الدولية بعد توقيع اتفاقات تجارية بين الجانبين، إلا أنها لم تنجح وبقيت متأرجحة حتى بلغت ذروتها في عام 2025 بحرب اقتصادية وفرض تعرفة كمركية أساسية. إلا أنها وصلت مؤخرًا إلى بدء علاقة استراتيجية وبناءة ومستقرة بعد الزيارة التاريخية لترامب إلى الصين في أيار من العام الجاري، لكنها سرعان ما شابتها حالة من الضبابية عبر التعاطي مع ملف تايوان من منظور براغماتي تجاري.
روسيا.. هدوء ومواءمة اتسمت علاقة ترامب مع روسيا برمزية فريدة وتقلبات حادة، حيث تناولت في معظمها الخطاب العقلاني والهادئ وترطيب الأجواء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط ضغوط داخلية وخارجية أسفرت عن فرض عقوبات قاسية ضد موسكو خوفًا من الاتهامات الداخلية، مع هندسة اتفاق سلام تاريخي لإنهاء حرب أوكرانيا، وهو ما لم يحصل فعليًا حتى الآن، واستمرار الحرب. لا سيما مع طلب ترامب وقف إطلاق النار فيها وعقد هدنة في أكثر من مناسبة، إلا أن الطرفين، وأعني هنا روسيا وأوكرانيا، ما يزالان يتبادلان المناوشات العسكرية بتمويل من الناتو والولايات المتحدة لكييف، مع تجنب أميركي للصدام العسكري المباشر، والإبقاء على سياسة التوازن الدولية مع أكبر المنافسين المحتملين للولايات المتحدة.
كما فرض ترامب في عام 2019 عقوبات صارمة على الشركات المشاركة في بناء خط أنابيب الغاز الروسي "نورد ستريم 2" المتجه إلى ألمانيا، لعرقلة نفوذ الطاقة الروسي في أوروبا، وكان آخر تلك القرارات الانسحاب من معاهدة الأجواء المفتوحة العسكرية في عام 2020.
مطالب الاستحواذ على غرينلاند من أكثر الملفات غرابة لدى ترامب هو اقتراح شراء جزيرة غرينلاند عام 2019 من الدنمارك بدافع تجاري وجيوسياسي، واصفًا الصفقة بأنها استراتيجية ومثيرة للاهتمام، ومشبهًا إياها بالصفقة العقارية الكبرى، وهو ما اصطدم برفض رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن للعرض، مؤكدة أن غرينلاند ليست للبيع، وليست دنماركية، بل هي ملك لشعبها. ثم تجدد مطلب ترامب مرة أخرى عبر التهديد في منتصف عام 2026، من بوابة أن الحصول على الجزيرة يمثل ضرورة أمنية قصوى لمواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، وأنها ضرورة حتمية للأمن القومي وحرية العالم، مهددًا بتدخل عسكري للحصول عليها ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل ذهب إلى تعيين حاكم ولاية لويزيانا "جيف لاندري" مبعوثًا رئاسيًا خاصًا ومفوضًا إلى غرينلاند بهدف معلن، وهو العمل على جعل غرينلاند جزءًا من الولايات المتحدة
العراق وسوريا وأفغانستان.. مكاسب الشرق الأوسط لترامب اتسمت سياسة ترامب في الشرق الأوسط بتحقيق المكاسب المالية، إلا أن تلك السياسة تباينت في العراق وسوريا وأفغانستان بين ولايتيه الأولى والثانية. إذ اغتال ترامب في العراق قاسم سليماني الأمر في سوريا لا يختلف عن العراق، لا سيما بعد تغيير نظام حكم الأسد والإتيان بالشرع. فبعد سحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا بشكل مفاجئ في عام 2019، والتوقيع على قانون قيصر للعقوبات لحصار النظام السوري اقتصاديًا وعزله دوليًا، شهدنا انقلابًا دبلوماسيًا شاملًا في عام 2025، مترجمًا برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وبدء تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية الانتقالية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وإعادة فتح السفارة الأميركية في دمشق، ورفع العلم الأميركي لأول مرة منذ عام 2012، و وليس بعيدًا عن العراق وسوريا، فقد كانت لإدارة ترامب مفاوضات مباشرة مع حركة طالبان في أفغانستان عقب استحالة الحسم العسكري، وهو ما أدى إلى انسحاب القوات الأميركية مقابل ضمانات من طالبان بعدم استخدام أراضي أفغانستان لاستهداف أميركا.
ترامب، وخلال ولايتيه الأولى والثانية، لم يكتفِ بإلغاء ومهاجمة العديد من الملفات والقوانين، واستحصال القرارات الخاصة بها، حتى بعيدًا عن الكونغرس والمعارضة الديمقراطية له، والضغوط السياسية التي نالت منه بعض الشيء. وأهم تلك الملفات: الدولار، والمناخ، ومكافحة المخدرات، وإصلاح الحكومة الفيدرالية، والتصنيع الأميركي، والعملات الرقمية، والطاقة، والنفط.
رغبات الاصلاح نعي مما سبق أن الرئيس الأميركي لم يترك شيئًا على حاله، وأراد إصلاح كل قطاعات الحياة في الولايات المتحدة، رافضًا كل التشريعات والقرارات التي شهدتها حكومة سلفه أوباما، من دون تحقيق نتائج تُذكر على حساب كل قطاع تم التعاطي معه، مع حجم التصريحات اليومية والأسبوعية التي يظهر فيها للعلن، وعلى شاشات التلفاز، وفي مؤتمرات البيت الأبيض، والتغريدات، وما يُنقل على لسان المتحدثين باسمه وإدارته، حتى وصفه الكاتب المصري عبد الله السناوي، بحسب ما نشر في مقال بصحيفة القدس العربي، بقوله: إن "الرجل لديه إسهال في التصريحات"، في سياق انتقاده لكثرة تصريحات ترامب وتناقضها.
الخاتمة نعود نحن الى عنوان الموضوع .. ماذا يريد ترامب او ما هو المشروع السياسي لترامب ,, سؤال كبير لا نجد الاجابة عنه فبعد استعراضنا لجميع الملفات في جعبة الرئيس الاميركي وحملاته الانتخابية وشعاراته وتصريحاته لا نستطيع الجزم بان تحقيق اي من الاهداف بشكل مطلق او عدم نجاحه