يسعى البرلمان الإيراني لتشريع قانون مثير للجدل يستهدف مكافحة «التسلل الأجنبي»، لكن النقاش حول مواده يكشف انقساماً داخل النخبة السياسية حول مدى سلطة الدولة في مراقبة اتصالات المواطنين بالخارج. رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يحاول توازناً دقيقاً بين الاعتبارات الأمنية وحماية الحقوق والحريات.
يسعى البرلمان الإيراني إلى تحويل مخاوفه من التسلل الأجنبي إلى نصوص قانونية. لكن وبينما يشتغل النواب على صياغة التشريع، بات واضحاً أن هناك سؤالاً حرجاً يواجه الجمهورية الإسلامية: إلى أي حد يجب أن تذهب الدولة في مراقبة اتصالات الإيرانيين مع العالم الخارجي؟
في صلب هذا النقاش يقف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يحاول علناً إجراء توازن دقيق. فقد دافع عن ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد التسلل الأجنبي، لكنه حذّر من أن مسودة التشريع الحالية تتجاوز الحدود.
قال قاليباف في جلسة برلمانية أخيرة: «لا أحد يعارض الوطنيون مكافحة التسلل الأجنبي»، مضيفاً أن النواب يتعين عليهم التأكد من عدم تأثر «حقوق المواطنين وأرزاقهم وتجارتهم». وأوضح أن وكالات الأمن قد تحتاج لفحص اتصالات الإيرانيين مع الأجانب، لكنها لا يمكن أن تطالب بإذن في كل مرحلة.
قال المتحفظ: «يقولون إنهم يريدون التأكد والحصول على إذن في كل مرحلة. هذا غير ممكن، لأننا سنضطر حينها إلى إغلاق البلد».
هذا التوازن يصل إلى جوهر قانون نشأ كرد فعل وقتي على فشل أمني حقيقي. كشفت الحربان الأخيرتان عن مدى عمق تسلل الاستخبارات الإسرائيلية للأراضي الإيرانية، وحفزت ذلك دعوات لاتخاذ إجراءات أشد لتحديد ومنع النفوذ الأجنبي.
غير أن ما بدأ كرد أمني تطور إلى نزاع أوسع بكثير حول حدود الدولة الأمنية في الجمهورية الإسلامية.
القانون، الذي يحمل رسمياً عنوان «خطة مكافحة تسلل الأجهزة الاستخباراتية والحكومات أو المؤسسات الأجنبية»، ويُعرّف عموماً باسم «قانون التسلل»، يشترط على الإيرانيين الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الاستخبارات وجهاز الاستخبارات في الحرس الثوري الإسلامي قبل الانخراط في مجموعة واسعة من الأنشطة.
تشمل هذه الأنشطة نشر الكتب أو المقالات، والتعاون الأكاديمي، والمقابلات مع وسائل إعلام أجنبية توصف بـ «العدائية»، والمشاركة في مؤتمرات علمية أو مهرجانات فنية. يتضمن القانون أيضاً بنوداً تجرّم المقابلات والنقاشات وأشكال الاتصال الأخرى مع وسائل إعلام موصوفة بالعدائية، إضافة إلى إرسال صور وفيديوهات وتسجيلات صوتية أو مواد أخرى إلى وسائل إعلام أجنبية، مع عقوبات تصل إلى سنتي سجن.
وافق البرلمان على الإطار العام للقانون في منتصف أغسطس برصيد ساحق من 183 صوتاً مقابل أربعة فقط. منذ ذاك الحين توسعت المسودة من 19 إلى 33 مادة وهي تمر عبر لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية.
لم تُقرّ سوى أول مادتين حتى الآن في جلسات البرلمان الكاملة، بينما تبقى بقية البنود عرضة للمراجعة والتعديل. حتى لو وافق البرلمان عليها، سيبقى القانون بحاجة لموافقة مجلس صيانة الدستور قبل نفاذه.
غير أن المعارضة السياسية بدأت فعلاً.
أرسل قاليباف مادتين من أهم مواد القانون - المادتان 7 و8، اللتان تتعلقان بعملية الإفصاح والعقوبات على تجاوز نطاق الرخصة - إلى اللجنة بسبب غموض فيهما.
أصرّ قاليباف على أن البرلمان يجب أن يعالج مخاوف أجهزة الأمن، قائلاً إن احتياجاتها ستُلبّى «ضمن حدود معقولة». لكنه رفض فكرة أن تملك وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري سلطة فعلية لاعتماد كل اتصال أجنبي للمواطنين.
رفض أيضاً اقتراحات بإيقاف القانون بطلب من الحكومة. فعندما ادعى نائب الرئيس الأول محمد رضا عارف أن قاليباف وعده شخصياً بإيقاف التشريع، كرر أحد النواب الاتهام في المنصة البرلمانية. رفضه قاليباف، مؤكداً أن البرلمان ليس «فرعاً من الحكومة».
النتيجة هي خط انقسام سياسي لا يتطابق بسهولة مع الانقسام التقليدي بين المتشددين والإصلاحيين في إيران.
أبدى بعض النواب معارضة أكثر علانية للقانون. قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية محمد مهدي شهريار إنه «يتناقض تماماً مع المصالح القومية».
أشار إلى أنه تمت صياغته بتسرع من نواب عديمي الخبرة بدلاً من أجهزة الأمن الحكومية نفسها، وأرجح أن مكتب قاليباف الرئاسي هو نفسه الآن «معارض بقوة» للتشريع.
حكومة الرئيس مسعود بزشكيان اعترضت على القانون علناً أيضاً. حذر نائب الرئيس للعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي حسين أفشين من أن المسودة الحالية قد تعزل المجتمع الأكاديمي والبحثي الإيراني وتؤدي إلى «ركود علمي». أشار إلى مخاطر تسارع هجرة الأدمغة وعقبات إضافية أمام العلماء الإيرانيين الذين يعملون أو يدرسون بالخارج.
ذهب المعلق المحافظ محمد محاجري، رئيس تحرير موقع خبر أونلاين، إلى النقطة ذاتها بسخرية أكبر، فكتب على «إكس» أنه بينما تحاول الحكومة إقناع الإيرانيين المغتربين بالعودة إلى الوطن، يمنح البرلمان النخب والعلماء والطلاب أسباباً إضافية جديدة للمغادرة.
جذب النقاش انتقادات دولية أيضاً. في الثالث من سبتمبر، دعت بعثة الأمم المتحدة المستقلة للتقصي عن الحقائق حول إيران إلى سحب القانون، محذرة من أنه قد يزيد تقييد الحريات الأساسية وعزل الإيرانيين عن المجتمع الدولي. أصدرت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بإيران مي ساتو تحذيراً منفصلاً بألا تصبح أجهزة الاستخبارات الإيرانية «حارسة» اتصالات الشعب الإيراني بالعالم.
لكن بالنسبة للنخبة السياسية الإيرانية، قد تكون المشكلة الأكثر إلحاحاً أقرب إلى الداخل.
قليل في النظام يبدو مستعداً للجدل بأن التسلل الأجنبي يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً. الخلاف ينصبّ بشكل متزايد على ما يجب أن ينتج عن هذا التهديد وأين يجب أن تضع الدولة الخط الفاصل.