تسييس المونديال: عندما تبتلع السيادة الوطنية المواثيق الرياضية الدولية
* يخرق الجانب الأمريكي مواثيق الـ (FIFA) بفرض سيادته وقوانينه المحلية المتشددة على وفود مونديال 2026، متجاوزاً شعار "فصل الرياضة عن السياسة".
* تحولت البطولات من "المقاطعة الطوعية" قديماً إلى "الحظر القسري" من قِبل الدولة المضيفة، مستغلةً حدودها كأداة ضغط سياسي وأمني.
* تلاشت الوعود الأمريكية بتقديم تسهيلات للبعثات فور تفعيل "فرقة العمل للبيت الأبيض" برئاسة أندرو جولياني لإدارة الملف أمنياً.
تأسست المنظمات الرياضية الدولية (مثل FIFA واللجنة الأولمبية) على مبدأ جوهري مكتوب في مواثيقها: فصل الرياضة عن السياسة، وضمان التنافس العادل بين الشعوب بغض النظر عن النزاعات الدبلوماسية. ووفقاً لهذه المواثيق، تتعهد الدولة التي تطلب استضافة بطولة عالمية بتسهيل دخول كافة أفراد البعثات الرسمية من لاعبين، وإداريين، وإعلاميين. إلا أن ما حدث مع بعثة المنتخب العراقي في مطار شيكاغو قبيل انطلاق كأس العالم 2026 وتزامن ذلك مع رفض واشنطن منح تأشيرات دخول لـ 15 عضواً من الجهاز الإداري والفني للمنتخب الإيراني (بمن فيهم رئيس الاتحاد الإيراني)، يثبت أن هذه التعهدات تصبح حبراً على ورق عندما تصطدم بالقوانين المحلية للدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بحسب وكالة رويترز وصحيفة الغارديان البريطانية . الجذور التاريخية: متى تحولت البطولات إلى أداة سياسية؟ القول بأن الرياضة لم تكن يوماً أداة سياسية هو نوع من المثالية الحالمة فالسياسة تشتبك مع الرياضة منذ عقود لكن الفارق يكمن في انتقال الأداة من المقاطعة الطوعية بين الدول إلى الحظر القسري الذي يفرضه البلد المضيف مستغلاً سيادته على حدوده. حقبة الحرب الباردة وسلاح المقاطعة خلال القرن الماضي، كانت السياسة تتدخل عبر الحكومات التي تقرر مقاطعة البطولات: • أولمبياد موسكو 1980: قادت الولايات المتحدة مقاطعة واسعة ضمت أكثر من 60 دولة احتجاجاً على الغزو السوفييتي لأفغانستان. • أولمبياد لوس أنجلوس 1984: رد الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه بالمثل وقاطعوا البطولة في أمريكا. في هذه الحقبة، كان القرار سياسياً بامتياز لكنه كان ينبع من الدول المشاركة (المقاطِعة) وليس من الدولة المضيفة التي تمنع الضيوف من الدخول.
مبدأ الاستثناء الأمريكي: يحق لها ما لا يحق لغيرها تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع استضافة البطولات الدولية بمنطق السيادة المطلقة فوق الميثاق الأممي. فرغم التعهدات التي تقدمها الحكومات لـ (FIFA) بضمان سلامة وسلاسة دخول الوفود، فإن القوانين الأمريكية (مثل قانون الهجرة والجنسية، والقرارات التنفيذية الرئاسية المتعلقة بالأمن القومي) تعطي لموظف الهجرة في المطار سلطة إلغاء أي تأشيرة بناءً على الشك أو التقييم الأمني الفردي. وقامت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتشكيل لجنة خاصة بكأس العالم (فرقة العمل التابعة للبيت الأبيض الخاصة ببطولة كأس العالم الفيفا 2026) (White House Task Force on the FIFA World Cup 2026) ويشغل فيها رسمياً منصب المدير التنفيذي أندرو جولياني (وهو نجل عمدة نيويورك السابق رودي جولياني) ولاعب غولف سابق حيث تم تعيينه من قبل الإدارة الأمريكية للإشراف على هذا الملف الاستراتيجي. ومع تفعيل لجان المهام الخاصة المشار اليها أعلاه بقيادة جولياني اختفت الوعود التي قدمتها الولايات المتحدة للفيفا والتي كانت تتمثل بتقديم استثناءات لوفود المونديال حيث اثبتت الإجراءات على الأرض عكس تلك الوعود تماما . لذا فان خضوع الهداف العراقي أيمن حسين للتحقيق لـ 7 ساعات وتفتيش هاتفه الشخصي، ومنع المصور طلال صلاح بعد 12 ساعة احتجاز هي إجراءات تتم تحت لافتة الأمن القومي المتشدد وهي ذريعة تملك أمريكا وحدها القدرة على فرضها دون خشية من عقوبات الـ (FIFA) بينما لو قامت دولة اخرى بنفس الإجراءات ضد بعثة غربية مثلا لكانت العقوبات الدولية (بحرمانها من الاستضافة أو تجميد نشاطها الرياضي) سريعة وحاسمة. خاتمة إن تحول الملاعب الرياضية إلى امتداد لمكاتب التحقيق في المطارات الدولية، يعكس تراجع القيمة الأخلاقية للرياضة العالمية ما تعرض له الوفد العراقي في يونيو 2026 يثبت أن شعار فصل الرياضة عن السياسة هو شعار انتقائي يُرفع في وجه الدول الضعيفة لإجبارها على الانصياع ويُسقط تماماً عندما تقرر الدول الكبرى استخدام حدودها وتأشيراتها كأدوات عقاب سياسي أو استعراض أمني وبناءً عليه، فإن منظومة الحوكمة الرياضية الدولية بحاجة إلى ثورة حقيقية تضمن حصانة رياضية تمنع أي بلد مضيف من العبث بسلامة وكرامة ضيوفه.