حيدر الجابر اشتكى الرئيس الأمريكي الأسبق (باراك أوباما) من اليمين الأمريكي الذي بدأ يصوغ مفهوم المواطنة في الولايات المتحدة. وضرب مثلا بنائب الرئيس (جي دي فانس)، الذي يتصدر حملة عنصرية تبحث عن صلاحية انتماء المواطن الأمريكي قياسا إلى المدة الزمنية التي قضاها في هذا البلد، هو أو اسلافه. مع أن (فانس) تعود أصوله للجزر البريطانية، وزوجته تنحدر مباشرة من أبوين هنديين.
عانى (أوباما) الذي حظي ـ وما زال ـ بشعبية كاسحة من التشكيك بشرعية أمريكيته، وبينما ورث بلدا يحارب على أكثر من جبهة، كان عليه أ يحارب على جبهته الشخصية، فهو يحمل اسما عربيا إسلاميا، وابوه مسلم من كينيا، واكتسب الجنسية الأمريكية عن طريق والدته.
ويستغرب العالم الحر من هذا المنطق، إذ إن أمريكا هي بلد المهاجرين الأكبر والأول على مستوى العالم، فانك لا تجد مواطنا ـ الا ما ندر ـ تمتد جذوره في هذه الأرض، فمعظم الأمريكيين ـ بحسب الدراسات المتخصصة ـ ينحدر من العنصر الالماني، يليه اللاتيني، ثم الإنكليز والايرلنديين والطليان والافارقة والآسيويين. لقد كانت أمريكا بلد الأحلام والفرص، الفرص التي تحتاج إلى أن تتحقق القضاء على السكان الأصليين وعزلهم في معسكرات وتجمعات خاصة.
تفخر الولايات المتحدة أنها من المجتمعات التي بنيت على أحلام المضطهدين، حيث شق ملايين المهاجرين ـ طوعا وكرها ـ عباب بحر “الظلمات” نحو العالم الجديد، عُرفت أمريكا أيضا بارض الفرص، حتى لو كانت الفرص على حساب أرواح واحلام الملايين.
بينما يتجه العالم الذي نعرفه نحو تسامح اكثر وقبول أوسع وتفهم اشمل، تنحدر الولايات المتحدة نحو التعنصر والتحزب العقيم، يحدث هذا فيما يقترن الرئيس المثير للجدل دونالد ترامب بمهاجرة سلوفينية، وتزوجت احدى بناته من امريكي ذي أصول عربية، وينحدر هو نفسه من احدى بلدات المانيا الريفية، اما ابنته المفضلة فتزوجت من يهودي.
وللإنصاف، فإن هذه النظرة المتطرفة بدأت تتفشى في الغرب منذ التسعينيات، مع وصول الأحزاب اليمينية في النمسا وفرنسا وإيطاليا، ولم يكن منشؤها أمريكيا، فقد فضل الشعب الأمريكي ان يعادي الافارقة قبل ان يلتفت إلى غيرهم. اليمين الأوروبي وإن كان يبحث عن مفهوم الوطن أولا، إلا أنه لم يمس مفهوم المواطنة، ولم يفتش في جذور المواطنين، فمن يكتسب الجنسية يكون مواطنا، له ما له وعليه ما عليه، وهو الأمر الذي بدأت الإدارة الجمهورية في البيت الأبيض بالتنكر له.
يوجد فرق بين المميزات الإنسانية كاللون واللغة والعرق، وبين حقوق الإنسان وأهميته في مجتمعه، إذ إن المفهومين لا يرتبطان، ولا يمكن دمجمها بأي حال.
في العراق، عانينا بشدة من هذه النظرية، حيث قررت الدولة العراقية الحديثة تصنيف العراقيين على حسب التبعية (عثمانية ـ فارسية)، بينما قرر حزب البعث أن مجتمعا محددا ـ هم الكرد الفيليون ـ ليسوا عراقيين بالضرورة، فتم تجريدهم من كل شيء، وتم رميهم على الحدود ليواجهوا مصيرهم المجهول.
في هذه الأرض الواسعة، عليك أن تتسامح وأن تتفهم وأن تتعايش وأن تحترم، وإلا فإنها على سعتها ستضيق بمن ضاق صدره عن تقبل الآخر.