يواجه اتفاق الدفاع المشترك الموقع بين باكستان والسعودية وتركيا في أغسطس الماضي تحديات هيكلية عميقة تضعف قدرته على العمل كتحالف فعال. الاتفاق يفتقد إلى هياكل قيادة موحدة وآليات واضحة لتنسيق الدفاع المشترك، مما يجعله عرضة لمشاكل تاريخية تعاني منها جميع التحالفات الدولية.
وصف معلقون اتفاق مكة الموقع في السابع من أغسطس بين باكستان والسعودية وتركيا بأنه "ناتو إسلامي" أو "ناتو شرق أوسطي"، بينما أشار وزير الخارجية التركي حقان فيدان صراحة إلى حلف الناتو عند وصفه لبنود الاتفاق الدفاعية.
الاتفاق يقرر فعلاً بأن الهجوم على أحد أطرافه يُعتبر هجوماً على الجميع، غير أنه لا ينشئ جهازاً قيادياً مركزياً، ولا يضع خطوطاً واضحة لتحسين التعاون العسكري أو تحديد التزامات صريحة بشأن الإنفاق الدفاعي والتسليح. كما أنه لا يعالج قضية الأسلحة النووية.
هذا لا يعني أن التحالف خالٍ من المعنى. فاتفاق مكة يستند إلى سنوات من التعاون الدفاعي الثنائي بين دوله الثلاث. التعاون بين باكستان والسعودية يمتد إلى منتصف الستينات ويتضمن تدريب باكستاني للكوادر السعودية وانتشار قوات باكستانية على الأراضي السعودية، ما وفّر دعماً حيوياً للنظام السعودي الثري لكن الضعيف أماناً، والذي يتحاشى امتلاك قوة عسكرية مستقلة وقوية جداً.
كما عمّق باكستان وتركيا تعاونهما الدفاعي، لا سيما في مجال الأسلحة التي توفرها تركيا، وتشمل أربع فرقاطات من طراز ميلجم تُنتج بالتعاون المشترك وثلاثين طائرة هليكوبتر من نوع تي 129 أتاك. قد تعمل باكستان كقناة لنقل الأسلحة المتطورة التي تطورها الصين، مثل الطائرة "جي إف-17" التي تُنتج بالشراكة، إلى تركيا.
لكن الروابط الثنائية وحدها لا تصنع تحالفاً قوياً. يحدد متخصصو العلاقات الدولية أربع مشاكل تضعف كل التحالفات: سحب الحليف للحليف الآخر إلى نزاعات لا تخدم مصالحه، والتملص من الالتزامات، والخطر الأدبي، والتملص من تحمل الأعباء. اتفاق مكة عرضة لكل هذه المشاكل الأربع، لكنه لا يعالج أياً منها حالياً.
أولاً، التحالفات معرضة لمشكلة "السحب المتسلسل"، حيث يسحب أحد الأعضاء باقي أعضاء التحالف إلى نزاع يضر مصالحهم الوطنية. تذكّر التاريخ كيف أدت وعود روسيا لصربيا إلى دخول حلفائها فرنسا وبريطانيا الحرب العالمية الأولى لاحترام التزاماتهما المعاهدية.
في هذه الحالة، قد تحاول باكستان جرّ تركيا والسعودية إلى تنافسها العسكري المستمر مع الهند. تربط السعودية والهند علاقات ودية: تستورد الهند قرابة 22 مليار دولار سنوياً من النفط والغاز الطبيعي والمشتقات البترولية من السعودية، وتجاوزت تجارتهما المشتركة 40 مليار دولار عام 2024. قد تسعى تركيا أيضاً إلى جرّ باكستان والسعودية إلى تنافسها المتزايد مع إسرائيل حول سوريا. في الواقع، يتفاقم هذا الخطر بسبب الغموض حول من يُقصد بالدفاع عن نفسه بموجب ميثاق مكة. وقد وصف معلقون الاتفاق تارة بأنه موجّه ضد إسرائيل وتارة بأنه موجّه ضد إيران.
ثانياً، التحالفات قد تعاني من مشكلة "التملص من الالتزامات"، حيث يرفض الأعضاء تكريس التزاماتهم التحالفية، خاصة عندما يواجه أحد الأعضاء تهديداً من طرف خارج التحالف. يتملص الأعضاء من الالتزام لأن التهديدات ليست حادة بما يكفي لخوض حرب، أو لأن تكاليف الحرب لا يُحتملة. كان الضم الجزئي ثم الكامل لتشيكوسلوفاكيا من جانب ألمانيا سنة 1938 قد لم يُوقَف لا من فرنسا التي اعتبرته مسألة هامشية، ولا من يوغوسلافيا ورومانيا اللتين كانت لهما معاهدة تحالف مع تشيكوسلوفاكيا، لأنهما رأتا أن التكلفة باهظة جداً.
قد تنشأ حالة مماثلة إذا هاجمت إيران السعودية: ستجد تركيا وباكستان أن تكاليف التدخل تفوق أي فوائد. التهديدات الإيرانية لتركيا تقتصر في الأساس على وكلاء إيرانيين ضعفاء جداً في لبنان وسوريا، بينما تشترك باكستان في حدود مع إيران عبر إقليم بلوشستان المتقلب، حيث يمكن لدعم إيران للوكلاء البلوشيين المسلحين أن يشكل خطراً.
علاوة على ذلك، فإن الدول الثلاث جميعها تتمتع بتوازنات سياسية داخلية متمحورة حول مصالح محلية معقدة. الاستقرار السياسي في باكستان يعتمد على توازن دقيق بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية والأحزاب السياسية. في السعودية، يتعلق الأمر بشرعية النظام الملكي والتحديات الاقتصادية. أما في تركيا، فهناك انقسامات سياسية حادة وتنافس على السلطة.
ثالثاً، هناك مشكلة "الخطر الأدبي"، حيث قد يتصرف أحد أعضاء التحالف بمزيد من الجرأة والمخاطرة معتمداً على حماية حلفائه. لو توقعت باكستان أن تركيا والسعودية ستدخلان تلقائياً أي نزاع تخوضه ضد الهند، فقد تميل إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة تجاه الهند، وهو ما قد يعرض الجميع للخطر.
رابعاً، يواجه التحالف مشكلة "التملص من تحمل الأعباء"، حيث قد يحاول أحد الأعضاء الاستفادة من الحماية التحالفية دون تحمل نفقاته. لم يضع الاتفاق معايير واضحة للإنفاق الدفاعي أو مساهمات محددة من كل طرف، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً لمثل هذه الممارسات.
إضافة إلى ذلك، فإن التعاون العسكري الثنائي القائم، على الرغم من أهميته، لا يعني بالضرورة أن يترجم إلى عمل عسكري منسق فعال في حالة الأزمة. الخبرة المشتركة والتدريب المتبادل والأسلحة المتوافقة هي عناصر ضرورية، لكن ليست كافية. ما يحتاجه التحالف الحقيقي هو هياكل قيادية واضحة، وخطط دفاعية مشتركة، وآليات لحل الخلافات، ودرجة من التضامن الفعلي تتجاوز الكلام الدبلوماسي.
الاتفاق، في صيغته الحالية، يبدو أقرب إلى إعلان نوايا من أن يكون تحالفاً عملياً متماسكاً. قد يخدم أغراضاً سياسية قصيرة الأجل، مثل إرسال رسالة حول التقارب بين دول إسلامية رئيسية، أو محاولة موازنة النفوذ الإقليمي. لكن من حيث القدرة الدفاعية الفعلية المشتركة، فإن ميثاق مكة يبقى بدون حد أدنى من الأدوات التي تحول الالتزامات الورقية إلى واقع عملي.
هذا لا ينقص من الجهود الثنائية بين هذه الدول، والتي لها قيمة خاصة بها. لكن التحالف الثلاثي الجديد، كما هو معرّف الآن، قد لا يكون في الواقع أكثر من تحالف على الورق، عرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي للالتزام المتبادل.
🔗 شارك المقال
الوسوم:#تحالفات إقليمية#السياسة الخارجية#باكستان#السعودية#تركيا#الأمن القومي