يتناول المقال تعثر تشكيل الحكومة في العراق رغم مرور فترة على التكليف الدستوري في ظل استمرار الخلافات السياسية حول تقاسم الحقائب الوزارية داخل القوى الفاعلة خصوصاً في ما يتعلق بالوزارات السيادية والأمنية ويشير إلى أن دخول البرلمان في عطلة تشريعية ساهم في زيادة حالة الجمود وتأخير الحسم.
كما يسلط الضوء على انعكاسات هذا التعثر، أبرزها استمرار عمل عدد من الوزارات بنظام الوكالة، ما أدى إلى إضعاف الأداء التنفيذي وتأخير تنفيذ البرنامج الحكومي والمشاريع الخدمية ويرى المقال أن الأزمة تعود أساساً إلى صراع المحاصصة وغياب التوافق السياسي مع بقاء تأثيرات خارجية محتملة بشكل غير مباشر ضمن دائرة التوازنات السياسية.
التشكيل العالق: السياسة تسبق الدولة وفاء الفتلاوي: منذ تكليف رئيس الوزراء وتحديد التوقيتات الدستورية لتشكيل الحكومة لا يزال ملف إكمال الكابينة الوزارية يراوح مكانه بين التفاهمات السياسية غير المكتملة والخلافات المتجددة بين القوى الفاعلة في المشهد العراقي في وقت دخل فيه مجلس النواب عطلةً تشريعية زادت من تعقيد المشهد وأبطأت مسار الحسم.
هذا التعثر لم يبق مجرد تفصيل سياسي عابر بل انعكس على إدارة عدد من الوزارات التي ما تزال تعمل بالوكالة ما ألقى بظلاله على الأداء التنفيذي والخدمي للدولة وفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة التوازنات السياسية التي تحكم عملية تشكيل الحكومة وآليات تقاسم الحقائب داخلها.
أحد أبرز أسباب هذا التأخير يتمثل في صراع المحاصصة السياسية بين القوى الفاعلة ولا سيما داخل الإطار التنسيقي حيث تسعى كل كتلة إلى تثبيت حصتها داخل الكابينة الوزارية بما يضمن لها نفوذاً سياسياً وإدارياً في مفاصل الدولة وهذا الصراع لا يقتصر على توزيع الحقائب فقط بل يمتد إلى طبيعة الوزارات ذاتها إذ تزداد حدة التنافس كلما كانت الحقيبة أكثر حساسية أو ذات طابع سيادي وأمني وهو ما يعقّد عملية التوافق النهائي ويؤدي إلى إعادة فتح النقاشات في كل مرة تقترب فيها عملية الحسم.
إلى جانب ذلك، تبرز أزمة الثقة السياسية كعامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، حيث لا يزال غياب الانسجام الكامل حول المرشحين للوزارات السيادية والأمنية يشكل عقدة مركزية في مسار التشكيل. هذا الواقع يعكس امتداداً لمشكلة أعمق تتعلق بمفهوم “الكتلة الأكبر” وآليات توزيع السلطة داخلها، ما يجعل كل خطوة باتجاه الحسم مرهونة بتوازنات دقيقة وحساسة بين الأطراف المختلفة.
في المقابل فإن دخول مجلس النواب في عطلة تشريعية ساهم في تجميد جزء من الحراك السياسي المرتبط بحسم الكابينة الأمر الذي أضاف عاملاً زمنياً جديداً إلى سلسلة التعقيدات القائمة فغياب الجلسات الفاعلة يعني عملياً غياب منصة الضغط السياسي التي يمكن أن تدفع باتجاه تسريع التفاهمات أو حسم الخلافات العالقة ما جعل ملف التشكيل يتحرك بوتيرة أبطأ من المتوقع.
هذا التأخير لم ينعكس فقط على المستوى السياسي بل امتد تأثيره إلى الأداء الحكومي والخدمي حيث تعمل بعض الوزارات بإدارة الوكالة وهو ما يضعف من فاعلية القرار التنفيذي ويحد من القدرة على تنفيذ البرنامج الحكومي وفق الجداول الزمنية المرسومة فالإدارة بالوكالة رغم كونها حلاً مؤقتاً إلا أنها تتحول عملياً إلى حالة طويلة الأمد تؤثر على استقرار المؤسسات وتضعف من ديناميكية العمل الوزاري.
الأثر الأعمق يظهر بشكل أوضح في الوزارات الخدمية والأمنية، حيث يؤدي غياب الوزير الكامل الصلاحيات إلى بطء في اتخاذ القرار وتراجع في مستوى التنسيق بين المؤسسات فضلاً عن ضعف القدرة على إطلاق مشاريع استراتيجية طويلة الأمد أما في الجانب الأمني فإن استمرار حالة عدم الاستقرار الإداري ينعكس على السياسات الأمنية ويجعلها أقرب إلى إدارة يومية آنية بدل أن تكون رؤية استراتيجية مستدامة.
في ظل هذا المشهد المعقد تبقى التساؤلات مطروحة حول طبيعة الأزمة: هل هي انقسام سياسي داخلي ناتج عن صراع مصالح وتقاسم نفوذ أم أن هناك عوامل خارجية غير مباشرة تساهم في تعقيد التوافقات السياسية؟ وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة الأوضح أن الداخل السياسي هو المحرك الأساسي لهذا التعثر حتى وإن كانت البيئة الإقليمية والدولية تلعب دوراً في رسم حدود الممكن وغير الممكن في مسار التفاهمات.
في المحصلة فإن استمرار هذا الواقع يعني بقاء الدولة في دائرة إدارة مؤقتة وتأجيل الحسم السياسي وإبقاء الملفات الخدمية والأمنية رهينة لتوازنات غير مستقرة وهو ما يضعف من قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من مرحلة التسيير إلى مرحلة الفعل التنفيذي الكامل.