الجيل السادس .. حين تتحول الموجة إلى إمبراطورية في فلسفة القوة الرقمية وصراع السيادة بين الشرق والغرب
CROSS LINES
دعاء هزاع الجابري
بقلم — كاتب CROSS LINES
في التاريخ ومنذ صراع الازل ، من امتلك النار كتب الفصل الأول من الهيمنة ومن امتلك الحديد شيد الإمبراطوريات ومن امتلك البارود أعاد رسم الخرائط ، ثم جاء عصر " النفط " ليمنح الأرض لغة جديدة للنفوذ ، أما اليوم فإن العالم يقف على أعتاب مرحلة لم تعد فيها الثروة تستخرج من باطن الأرض بل تولد من نبضات الضوء ، ومن الخوارزميات ، ومن موجات غير مرئية تحمل في جوفها مستقبل الحضارة الإنسانية ، حيث لم تعد الحروب تبدأ عندما تطلق أول رصاصة بل عندما تكتب أول شيفرة ، ولم تعد تحسم المعارك عند حدود الجغرافيا بل داخل المختبرات ومراكز الأبحاث وغرف الابتكار ، حيث يعاد تعريف معنى القوة بعيدا عن صخب الدبابات وضجيج الطائرات ، فلقد انتقل العالم من صراع على احتلال الأرض إلى صراع على احتلال المستقبل
وفي قلب هذا التحول يقف الجيل السادس " 6G " لا بوصفه جيلا جديدا من شبكات الاتصالات بل بوصفه إعلانا عن ولادة عصر مختلف ، تصبح فيه البيانات عملة سيادية والذكاء الاصطناعي عقلا موازيا للعقل البشري ، وتغدو الشبكات العصبية الرقمية البنية التحتية التي ستقوم عليها الاقتصادات والجيوش والإعلام والتعليم والصحة، بل وايظا الوعي الإنساني ذاته ، لتبدو لنا المنافسة من ذلك بين " الصين والغرب " عبارة عن مواجهة فلسفية بين رؤيتين للعالم ، رؤية تسعى إلى الحفاظ على مركزية الهيمنة التي تشكلت بعد الحرب الباردة ، ورؤية أخرى ترى أن القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يبقى أسير قطب واحد يحتكر المعرفة كما احتكر النفوذ لعقود طويلة ، ولعل أكثر ما يثير القلق في العواصم الغربية ليس أن الصين تطور شبكة اتصالات أسرع ، فالتكنولوجيا بطبيعتها تتطور ، وإنما أن بكين تحاول أن تنتقل من موقع " المصنع العالمي " إلى موقع " العقل العالمي " ، فالفرق بين من يصنع الأجهزة ومن يصنع المعايير كالفرق بين من يكتب الكتاب ومن يقرأه ، الأول يحدد الفكرة والثاني يكتفي بتلقيها
فلقد أدركت الصين مبكرا أن السيادة في القرن الجديد لن تقاس بعدد حاملات الطائرات وحدها بل بعدد براءات الاختراع وبقدرة جامعاتها على إنتاج المعرفة ، وبامتلاكها مفاتيح البنية الرقمية التي ستتصل بها مليارات الأجهزة حول العالم ، لذلك لم يكن استثمارها في الجيل السادس مشروعا اقتصاديا كغيره بل مشروعا حضاريا يعكس طموح أمة قررت أن تنافس على قيادة المستقبل لا أن تكتفي بملاحقته ، أما الغرب فلا يخشى التقنية لأنها صينية بل يخشى أن يفقد الامتياز التاريخي الذي منحه حق صياغة قواعد اللعبة العالمية ، فمن يضع معايير الاتصالات ويحتكر براءات الاختراع ويتحكم في البنية الرقمية ، يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي وفي الأمن السيبراني وفي حركة الأسواق وحتى في موازين القرار السياسي ، اي إنها سلطة لا تمارس بالدبابات بل بالبروتوكولات الرقمية ، ولا تفرض بالاحتلال بل بالاعتماد التقني
الا أن خلف هذا السباق تختبئ أسئلة أكثر عمقا من التكنولوجيا نفسها ، وهي : هل نحن أمام نهضة إنسانية جديدة ، أم أمام شكل أكثر نعومة من الهيمنة؟ ، وهل ستصبح الشبكات القادمة جسورا للتعاون بين الأمم ، أم أسوارا رقمية تعيد تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ إلكترونية؟ ، وهل سيظل الإنسان سيد الآلة ، أم سيأتي يوم يصبح فيه أسير الخوارزمية التي صنعها بيديه؟ ، فالحضارات لا تسقط حين تعجز عن إنتاج القوة ذاتها بل حين تعجز عن فهم طبيعة القوة الجديدة بمفهومها المتغير ، فاليوم لم تعد القوة تختزل في امتلاك السلاح بل في امتلاك المعرفة ، ولم تعد المعرفة نفسها كافية ما لم تتحول إلى قدرة على صناعة المعايير التي يلتزم بها العالم ، ليكون لنا بذلك " الجيل السادس " نقطة انعطاف ستعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله ، ومن يظن أن المعركة تدور حول سرعة الإنترنت وحدها يشبه من ظن يوما أن اختراع الطباعة لم يكن سوى وسيلة لإنتاج الكتب ، بينما كانت في حقيقتها بداية عصر جديد غير وجه الإنسانية ، بل وربما سيأتي المؤرخون بعد عقود ليكتبوا أن القرن " الحادي والعشرين " لم يتغير يوم اندلعت حرب ولا يوم وقعت معاهدة بل يوم تحولت الموجة الرقمية إلى سيادة ، وتحول الذكاء الاصطناعي إلى لغة النفوذ الجديدة ، وأصبح المستقبل يكتب في المختبرات قبل أن يكتب في قصور السياسة .