مقالاتنا🌐 Available in English٢٥ تموز ٢٠٢٦

قداسة الأنسان ومرايا الروح حين تقف الأديان في مواجهة العصر الرقمي

قداسة الأنسان ومرايا الروح  حين تقف الأديان في مواجهة العصر الرقمي
CROSS LINES
دعاء هزاع الجابري
دعاء هزاع الجابري
بقلم — كاتب CROSS LINES
في الأزمنة القديمة كان الإنسان يرفع عينيه إلى السماء بحثا عن إجابات لأسئلته الكبرى : من نحن ؟ وإلى أين نمضي ؟ وما الذي يجعل من الإنسان كائنا مختلفا عن سائر المخلوقات ؟ ، لكن القرن " الحادي والعشرين " حمل سؤالا جديدا لم تعرفه الحضارات السابقة ، سؤالا لا يأتي من الفلاسفة ولا من رجال الدين وحدهم بل من الآلات ذاتها ، فلقد أصبح الذكاء الاصطناعي بكل ما يحمله من وعود ومخاوف مرآة جديدة يرى الإنسان فيها صورته وهو يعيد تعريف ذاته من جديد ، وحين يجتمع " الأزهر والفاتيكان " حول هذه القضية اليوم لفتح باب حوار اخلاقي أنساني لا يمكن المرور منه دون الإشارة اليه ، فإن الأمر يتجاوز حدود التقنية والبرمجة والاقتصاد ، لإنهما لا يناقشان مجرد أدوات رقمية قادرة على كتابة النصوص أو تحليل البيانات بل يقفان أمام تحول وجودي يمس جوهر الإنسان ذاته ، فالآلة التي كانت بالأمس مجرد امتداد ليد الإنسان ، أصبحت اليوم امتدادا لعقله ، بل وربما في مخيلة البعض منافسا له

غير أن السؤال الأكثر عمقا لا يكمن في قدرة الآلة على التفكير بل في معنى التفكير ذاته ، فالذكاء في صورته البشرية لم يكن يوما مجرد حسابات معقدة أو سرعة في معالجة المعلومات ، إنه ذاكرة ووجدان ، شك ويقين ، ألم وأمل ، وخبرة تتراكم فوق طبقات الزمن ، نعم تستطيع " الخوارزميات " أن تحفظ ملايين الكتب في لحظة لكنها تعجز عن فهم دمعة سقطت من عين أم تنتظر ابنها ، أو عن إدراك ذلك الصمت الثقيل الذي يرافق خسارات البشر الكبرى ، لينبع من هنا القلق الديني والأخلاقي ، فالأديان منذ وجودها على هذه الأرض أتت لحماية المعنى الإنساني من الذوبان في المادة ، وللدفاع عن قيمة الإنسان باعتباره كائنا يمتلك ضميرا ومسؤولية أخلاقية ، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يطرح معضلة جديدة وهي : ماذا يحدث حين تصبح الآلة قادرة على تقليد اللغة البشرية ، وإنتاج الصور ، وصناعة الحقائق الزائفة ، وربما التأثير في مصائر المجتمعات والدول؟

إن الخوف الحقيقي في عالمنا اليوم لا يكمن في أن تستولي الآلات على العالم كما تصور أفلام الخيال العلمي بل في أن يتنازل الإنسان طواعية عن دوره لصالحها ، فكل حضارة تسقط حين تفقد قدرتها على طرح الأسئلة ، وكل عقل يشيخ حين يكتفي بالأجوبة الجاهزة ، وإذا كانت الآلة قادرة على إنتاج المعرفة فإن الحكمة البشرية ستظل امتيازا إنسانيا خالصا ، لأنها لا تولد من كثرة المعلومات بل من التجربة والمعاناة والقدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو عادل ، الا اننا لا يمكننا الأستهانة بذلك الخوف الذي تسلل الينا اليوم ، فقد دخل العالم زمنا جديدا لم تعد فيه المعركة بين الشرق والغرب ولا بين الأيديولوجيات المتصارعة بل بين رؤيتين للإنسان وهما : رؤية ترى فيه مجرد كيان بيولوجي يمكن استنساخ وظائفه داخل الآلات ، وأخرى تؤمن بأن في داخله سرا لا تختزله الشيفرات ولا تحيط به الخوارزميات ، ولهذا السبب لا يقف " الأزهر والفاتيكان " اليوم في مواجهة " الذكاء الاصطناعي " بقدر ما يقفان في مواجهة السؤال الأبدي ذاته في : كيف يمكن للإنسان أن يطور أدواته من دون أن يفقد روحه ؟ ، ففي نهاية المطاف قد تنجح الآلات في محاكاة أصواتنا وأفكارنا لكنها ستظل عاجزة عن محاكاة ذلك القلق القديم الذي جعل الإنسان منذ فجر التاريخ يحدق في المجهول باحثا عن معنى وجوده .

🔗 شارك المقال

لفهم السياق

قراءات مرتبطة بنفس الملف أو آخر تطوراته